“نَقْشُ القُيُود”
محمود هرواك
تقف الأبواب الحديدية صامتة، مثل حُرّاسٍ على الأبدية، تَحرس أسوارًا من الزمن المحسوس بنسبية وَجِيعة، وطويلة جدا، داخل تلك الجدران، تُحْبَسُ الأجساد كما الأرواح، وتُسجَنُ معها وفيها الأحلام، تُخنق الأماني إلا من قلبٍ يُمَنّي النفس بالفرج.. إنه السجن؛ ذلك الكيان الذي لا يعرف الوصف المحدد أو المضبوط، فكل الأوصاف يستوعبها، يسعها! أما هي! فلا تسعه! لا تَقْدِر على احتوائه البتة مطلقا!!
بين جدران الحبس، حيث الصدمات النفسية تتلاعب بالعقول، تتشكل قصص من الصراع الداخلي النفسي.. فالحبس أيها الأحباب، ليس مجرد مكان، بل هو حالة من العزلة القسرية، يُجبَر فيها المَرءُ على مواجهة نفسه، وما أجَلَّهَا مواجهة!؟ يُكره على اكتشاف حدود طاقته وقوة احتماله.. وهناك فقط تكمن عظمة الإنسان؛ تلك العظمة التي تتجلى في صموده وقدرته على القفز على كُلِّ الشِّراكِ القاتلة التي تنصبها الأقدار على مدارات دروب الحياة..
حين كنت هناك، في مقبرة الأحياء! كان همي الوحيد الأوحد، بل وشغلي الشاغل الأشغل؛ بأي منتوج سأخرج!؟ بأي عمل فكري، صحفي، سوسيولوجي، تحليلي، دراسي ميداني.. سآتي حاملا أو حَمَّالاً!؟ أيّ صَنِيع مفيد إيجابي سأُبرِز وبأيّهِ سأَبْرُز!؟ لقد كنتُ على يقين تام وقناعة راسخة أن كل نقمة ليست في الحقيقة سوى نعمة متنكرة، يكفي أن أزيل عنها القناع القبيح لتَبْرُزَ بوجهها الحسن، المشرق، البهي الطلة، وذلك ما كان!
آن إذن الأوان، وحان الحين.. لأنقر الأزرار تباعا، وأعود للكتابة مبادرا مناولا.. عسى أن يكون في عصر مولانا جلالة الملك ما يرفع الآلام ويحقق للمواطنين الآمال.. فكيف كانت تجربة القيد معي!؟ وما الذي تغير في سجون العهد الجديد!؟ ماهي المنجزات وما هي أوجه النكوص والاعتلال!؟ ماذا تحقق في صرح القضاء!؟ وما الذي لم يتحقق بعد!؟ كيف هو وضع حقوق الإنسان ما وراء المؤسسة السجنية!؟
ما بين يديكِ عزيزتي القارئة الشغوفة، ويديكَ عزيزي المتابع الوفي؛ من كتابات؛ ستكون تحفة فنية بحق! تعيد المصداقية لفَنِّ عمود الرأي، وترجع الوهج والبريق للكتابة الصحفية المبدعة، الشجاعة، الخلوقة، المتحلية بالموضوعية والرصانة.. وإذ أشوقكم جميعا؛ فإنني لا أدعي جُملةً بأن عمودي سيؤرخ لكل الأحداث أويحيط بها من كل الجوانب البالغة التعقيد؛ بقدرما سيمثل هذا المنتوج مساهمة مهمة في الاتجاه المدروس والأداء الصحفي الميداني…
سنرى كيف يمكن للظلمة أن تُصبح نورًا، وللألم أن يغدو قوة دافعة.. من خلال مقابلات مع أشهر نزلاء السجن بالمغرب، وشهادات من وراء القضبان، ومصادر قَلَّ لها النظير عند عموم ممتهني الصحافة، سنكشف عن الوجوه المختلفة لهذه التجربة، وعن القصص التي تُحكى في الظل.. سنرى كيف يمكن للسجن أن يكون مدرسة للصمود، ومكانًا للتعلم، ومصدرًا للإلهام في جامعة تُغيّر الحياة، وتُعيد تشكيل الإنسان!
“نَقْشُ القُيُودِ” عمود صحافي يُنشر بدءا من اللحظة في جريدة “مملكتنا”.. “نقش القيود” أعزائي نِتَاجٌ لحالة من الغرق! سببها؛ سباحتي في وادٍ يَفُوقُ عمقه طولي؛ وعند الغرق؛ كان لا بُدَّ لي تماما كأي غارقٍ أن أتشبث ولو بالأفاعي !
مملكتنا.م.ش.س