المالكي رئيسا لمجلس النواب … هل يعيد بنكيران مفاتيح الحكومة

آخر تحديث : الإثنين 16 يناير 2017 - 5:36 مساءً

المالكي رئيسا لمجلس النواب … هل يعيد بنكيران مفاتيح الحكومة

بعد ثلاثة أشهر من المشاورات الشاقة والمناورات السياسوية وحروب البلاغات المضادة التي قادتها بعض القوى الظاهرة والخفية ضد رئيس الحكومة المكلف، الذي تحمل خلالها الشيء الكثير وتنازل فيها إلى أقصى الحدود، ها هي القوى نفسها تخرج آخر خطة ضد بنكيران لإرغامه – تحت تبريرات واهية- بقبول الحبيب المالكي رئيسا للبرلمان، وهو البرلماني المنتمي لحزب الاتحاد الاشتراكي الذي لم يفز في الانتخابات التشريعية لـ 7 اكتوبر إلا بـ 20 مقعدا، منها 14 مقعدا بالنسبة للائحة المحلية و6 مقاعد بالنسبة للائحة الوطنية، محتلا بذلك المرتبة السادسة.

والغريب في الأمر فرض ترشيح المالكي عن الاتحاد الاشتراكي لرئاسة مجلس النواب على كل الأحزاب المحتلة للمراتب الخمس الأولى: أقصد حزب “البيجيدي” الفائز الأول بـ 125 مقعدا، و”البام” الفائز الثاني بـ 102 مقعدا، والاستقلال الفائز الثالث بـ 47 مقعدا، والتجمع الوطني للأحرار الفائز الرابع بـ 37 مقعدا، والحركة الشعبية الفائز الخامس بـ27 مقعدا.

والأكيد أن فرض المالكي لرئاسة مجلس النواب، ثالث سلطة في النظام المغربي، صدمت الرأي العام الذي اقتنع أكثر بأن ما يسمى بالدولة العميقة أصبحت أكثر قوة وأكثر تحكما لفرض أجندتها السياسية ضدا على الإرادة الانتخابية والشعبية بعد انبطاح أغلبية الأحزاب.

وأمام هذا الواقع، فرضت بعض الأسئلة المقلقة والمحيرة نفسها منها: كيف قبل بنكيران وحزبه رئاسة المالكي لمجلس النواب؟ وهل هناك صفقة بين بنكيران وأخنوش في هذه المسألة؟ وهل سيقبل مشاركة الاتحاد الاشتراكي والاتحاد الدستوري في الحكومة المقبلة؟ هل قبل بنكيران رئاسة المالكي لمجلس النواب مقابل قبول الآخرين تشكيل الحكومة من أحزاب الأغلبية السابقة فقط؟ وإلى أي حد سيتحمل بنكيران، نفسيا وسياسيا، كل هذه الضغوطات والمناورات؟ وهل تركت القوى المناهضة لبنكيران ولحزبه-بعد فرضها للمالكي رئيسا لمجلس النواب-هامشا لتحرك بنكيران لإنقاذ وجه الماء أم إنها تخطط لدفعه إلى إرجاع المفاتيح إلى ملك البلاد وإعلان فشله لتدخل البلاد في أزمة سياسية في وقت يحتاج فيه المغرب إلى جبهة داخلية قوية؟

للإجابة عن هذه الأسئلة وأخرى، نقدم القراءة التالية:

مشروع عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي يخرج المشاورات من درجتها الصفرية

لا شك في أن القرارات التي خرج بها المجلس الوزاري الأخير، ودعوة جلالة ملك البلاد بنكيران والراضي إلى الاجتماع مع كل رؤساء الأحزاب الممثلة بالبرلمان لانتخاب رئيس مجلس النواب وهياكله، قد أخرجت المشاورات الحكومية من درجتها الصفرية، ودفعت بزعماء أحزاب الأغلبية وأحزاب والمعارضة السابقة إلى البحث عن مرجعية توافقية حول تشكيل الأغلبية البرلمانية قبل الأغلبية الحكومية، خصوصا بعد إعلان حزبي الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار الامتناع عن تقديم أي مرشح لرئاسة مجلس النواب، والتصريح بدعمهما ترشح المالكي أمام اندهاش الرأي العام والتساؤل عن سر وأهداف هذا الدعم لمرشح الاتحاد الاشتراكي، وهل هو نتيجة قناعات حزبية أم نتيجة تنفيذ أوامر عليا مفروضة على هاته الأحزاب؟

الاتحاد الاشتراكي الرقم الصعب في مشاورات بنكيران/أخنوش

بعد أن كان تشبث بنكيران بحزب الاستقلال يشكل المعادلة الصعبة في تعثر تشكيل الحكومة، أصبح اليوم حزب الاتحاد الاشتراكي هو الرقم الصعب في مشاورات بنكيران وأخنوش. بالنسبة لبنكيران يتشبث باستحالة قبول لشكر وحزبه في التشكيلة الحكومية والاكتفاء بأحزاب الأغلبية الحكومية السابقة بعد التخلي عن حزب الاستقلال، ولو أدى به الأمر إلى إرجاع المفاتيح إلى ملك البلاد لاقتناعه بأن للتنازلات حدودا.

بالنسبة لأخنوش لا لأي مشاركة في حكومة بنكيران دون دخول حزب الاتحاد الاشتراكي، وأمام هذا فجوة الخلاف بين بنكيران وأخنوش حول إبعاد أو إدخال حزب الاتحاد الاشتراكي في التشكيلة الحكومية المقبلة تدخل أحد زعماء الأحزاب باقتراح لبنكيران ولأخنوش، وهو قبول ترشيح المالكي لرئاسة مجلس النواب شريطة عدم حصول حزبه على أي منصب وزاري ودعم الاتحاد الاشتراكي للأغلبية الحكومية، وهو ما قبل من طرف الزعيمين، خصوصا بعد أن علما بدعم حزب الأصالة والمعاصرة لمرشح الاتحادي، ليفهم كل زعماء الأحزاب- الذين اجتمعوا يوم الجمعة بمقر رئاسة الحكومة مع بنكيران وعميد البرلمانيين عبد الواحد الراضي- أن مسالة ترشح المالكي محسومة من جهات معينة، وما عليهم إلا قبول هذا الترشح لتشكيل الحكومة، الأمر الذي جعل بنكيران يدبر مسألة انتخاب مجلس النواب بكثير من المرونة.

الاتحاد الاشتراكي في الحكومة برئاسة مجلس النواب وليس بحقائب وزارية كحل وسط

أكد بنكيران في لقائه الأخير مع العنصر وأخنوش أن الحكومة المقبلة لن تخرج عن بلاغ حزبه يوم 4 يناير؛ أي تشكيل الحكومة من أحزاب الأغلبية السابقة مع التفاوض على رئاسة مجلس النواب، مضيفا أن موقفه من مشاركة الاتحاد الاشتراكي ثابت ولن يتغير ولو أدى به إلى إرجاع المفاتيح إلى ملك البلاد، معتبرا أنها مسألة وجودية؛ لذلك ينتظر رد أخنوش والعنصر على التشكيلة الحكومية صباح الاثنين قبل اتخاذ القرار أما بدفع العثماني أو منعه من الترشح لرئاسة مجلس النواب. وعليه، فإن مسار تشكيل الحكومة قد يعود إلى الدرجة الصفرية في حالة تشبث أخنوش بمنح حقائب وزارية للاتحاد إلى جانب رئاسته مجلس النواب.

والأكيد أن بنكيران ينتظر بلاغ أو تأكيد حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية دعمه للأغلبية الحكومية، وفق ما اتفق عليه في مشاورات حضر فيها كل شيء إلا الثقة المتبادلة بين أخنوش والعنصر ولشكر وساجد وبنكيران.

مشاركة الاتحاد الدستوري في الحكومة غير محرجة لبنكيران

منذ بلاغ أخنوش الذي أعلن فيه عن تشبثه بمشاركة الاتحاد الدستوري في الحكومة المقبلة، لم يعترض بنكيران بكيفية قوية عن هذا التشبث.

وعليه، فمشاركة الاتحاد الدستوري ستكون هامشية في الحكومة المقبلة في انتظار الشروط الموضوعية لاندماجه مع حزب التجمع الوطني للأحرار، بل إن مشاركته ستكون دعما لتقوية الأغلبية الحكومية والبرلمانية- 19 مقعدا.

رئاسة مجلسي النواب بغرفتيه من طرف أحزاب المعارضة عبث سياسي

سيوجد بنكيران في وضعية صعبة إذا ما تم انتخاب المالكي رئيسا لمجلس النواب واختار حزب الاتحاد الاشتراكي صف المعارضة وبقي بنكيران متشبثا بموقفه تجاهه؛ لأنه في هذه الحالة ستجد الأغلبية الحكومية نفسها في مواجهة مع رئيسي مجلسي النواب المنتميين للمعارضة؛ بن شماس رئيس مجلس المستشارين – “البام”- والمالكي رئيس مجلس النواب- الاتحاد الاشتراكي- لذلك يجب على أخنوش ومجموعته التسلح بنوع من العقلانية السياسية عبر طرح الحلول الوسطى وقبول منح الاتحاد الاشتراكي رئاسة مجلس النواب دون أي حقيبة وزارية مع اعتباره من أحزاب الأغلبية الحكومية، وإلا فإن بنكيران سيقلب الطاولة ويضع حدا لتشكيل الحكومة عبر إرجاع المفاتيح إلى ملك البلاد، وهذا خيار وارد لكنه يبقى بعيدا في ظل الطرفية الدقيقة التي يمر منها المغرب.

أخنوش والحد من شروطه لتشكيل الحكومة

ستتجه كل الأنظار نحو رد أخنوش على عرض بنكيران القاضي بتشكيل الحكومة من أحزاب الأغلبية السابقة إلى جانب مساندة حزبي الاتحاد الدستوري والاتحاد الاشتراكي، مقابل رئاسة هذا الأخير لمجلس النواب. وبحسب مصادر موثوقة، ينتظر بنكيران رد أخنوش والعنصر صباح الاثنين، ومطالبة الاتحاد الاشتراكي الإعلان عن المساندة النقدية للحكومة لطي صفحة انتخاب رئيس مجلس النواب للتوجه نحو تشكيل الحكومة وتعيينها من طرف صاحب الجلالة قبل سفره إلى الدول الإفريقية الذي سيمتد لأسابيع؛ لأنه لا يعقل سياسيا وليس قانونيا أن ينتخب رئيس مجلس النواب قبل تحديد أحزاب الأغلبية الحكومية وأحزاب المعارضة. وعليه، لا نعرف هل تتوفق شروط أخنوش ومجموعته عند الفوز برئاسة مجلس النواب لتشكيل الحكومة أم إنه سيفرض شرطا آخر على بنكيران الذي لن يقبل بشروط أخنوش غير المتناهية أمام تنازلاته المستمرة؟

لا تسقطوا غصن الزيتون من يد بنكيران

أثبت بنكيران، خلال مسار المشاورات حول تشكيل الحكومة، مرونة وتنازلات كبيرة، آخرها قبول اتفاق منح الاتحاد الاشتراكي رئاسة مجلس النواب الذي يساوي حقيبتين وزارتين ليشارك في الحكومة دون منحه أي حقيبة وزارية، وهذا أقصى ما يمكن أن يقبله بنكيران الذي ينتظر من العنصر وأخنوش بعض التنازلات، خصوصا في ما يتعلق بمشاركة حزب الاتحاد الاشتراكي في الحكومة، وإلا فإن بنكيران سيرشح العثماني لرئاسة مجلس النواب وإن كان يدرك أنه لن يعتمد إلا على أصوات حزبه وأصوات برلماني حزبي الاستقلال والتقدم والاشتراكية وأصوات بعض المتعاطفين معه.

لكن تداعيات ذلك ستعيد المشاورات الحكومية إلى الدرجة الصفر، وتدفع بنكيران إرجاع المفاتيح إلى ملك البلاد، وأمام الفراغ الدستوري والقانوني سيدخل المغرب في أزمة سياسية قد تكون تكلفتها باهظة. وعليه، نتمنى من القوى الخفية والظاهرة المتحكمة في مسار المشاورات أن تعود إلى الصواب لمساعدة بنكيران على تشكيل حكومته على شكل مساعدة المالكي للفوز برئاسة مجلس النواب في وقت لا أحد كان يتوقعه؛ لذلك أدعوكم أن لا تسقطوا غصن الزيتون من يد بنكيران وإضعافه، مقابل تقوية الجناح المتطرف داخل حزب العدالة والتنمية الداعي إلى رفض أي تشاور مع أحزاب يصفها بالفاقدة لأي استقلالية في اتخاذ قراراتها وبأنها تؤدي مهاما وأدوارا بالوكالة.

وعليه، فرغم ما شاب مسار تشكيل الحكومة وانتخاب رئيس مجلس النواب من سلوكيات ومواقف شاذة وعبثية، وجب الاعتراف بأن ذلك يرتبط بالرجّات السياسية التي يعرفها مسار الانتقال الديمقراطي المغربي الهش على إثر استهداف تمييع وقتل السياسة بالبلاد التي من الأكيد أنها ستنبعث -من جديد-لأداء أدوارها النبيلة رغم كل محاولات القوى المناهضة لنبل العمل السياسي المستقل.

*أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق، أكدال

مملكتنا.م.ش.س/هسبريس

 
2017-01-16 2017-01-16
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

مملكتنا
%d مدونون معجبون بهذه: