الحلقة الأولى من سلسلة كشف الكتاب الأبيض للمهدي الحيجاوي .. حين يتحول الظل إلى خطاب مدسوس .. مدخل إلى عالم الحيجاوي ..

الإثنين 25 أغسطس 2025 - 10:02

محمود هرواك

في أدبيات الأمن والاستخبارات، اعتدنا أن تكون الكلمة شحيحة، والعبارة مقتضبة، واللغة مقيّدة بصرامة الأرقام والمعطيات. غير أن الحيجاوي اختار درباً آخر: لقد جعل من الاستخبارات مشهداً روائياً، ومن الظل لغةً، ومن الغموض مادةً للبوح. هكذا ولد خطابٌ يختلط فيه الواقعي بالمتخيَّل، وتذوب فيه الحدود بين الوثيقة والحدوتة.
من الكتابة إلى الأسطرة؛ ما يلفت الانتباه في نصوص الحيجاوي أنه لا يكتب الاستخبارات كما تُمارس، بل كما تُحكى. في نصوصه، هناك “مجالس ظل” تعلو على مؤسسات الدولة، و”أذرع خفية” تمتد بلا حدود، و”شبكات سرّية” تتحرك في الداخل والخارج كما لو كانت خيوطاً في نسيج واحد.. هذا الإطار ليس عابراً، بل هو حجر الأساس الذي يبني عليه هيكلته الاستخباراتية المتخيّلة: هرم من ثلاث طبقات (القيادة العليا، الأذرع التشغيلية، الشبكات الميدانية).

لغة الظلال !

حين يصف عناصر الجهاز، يشبههم بالنسور في الأعالي وهي استعارة شعرية تثير الرهبة لكن عند المبتدئين الذين لم يجربوا النزول عند القطط في الأزقة، وفي الآن نفسه تكشف جوهر منهجه: الاستخبارات عنده ليست علماً، بل صورة شعرية، استعارة كبرى.. لغة الظلال هذه تُغري القارئ وتخدّر حواسه، لكنها تخفي تحتها هشاشة معرفية ستتكشّف في الحلقات اللاحقة التي سنفضح فيها تخيلاته وقصوره وهو الذي كان يطمح لإهداء كتابه للملك كما يزعم في ضرب من السخافة

لماذا هذا المدخل مهم أعزائي؟ لأننا إذا لم نفهم هذه “العدسة” التي يكتب بها الحيجاوي، فلن نفهم أين يكمن الخلل في خطابه. فهو لا يسعى إلى توصيف جهاز واقعي بقدر ما يسعى إلى بناء أسطورة: أسطورة جهاز لا يُقهر، جهاز يعرف كل شيء، جهاز يعيش فوق القانون وخارج الزمن.. وهذا مستحيل في أي استخبارات حتى مع قوة لادجيد ومواردها اللوجستية! تتجلى المفارقة الكبرى إذن في كون ما يقدمه الحيجاوي ليس مجرد “وصف” للاستخبارات، بل هو مرآة للمخيال الجمعي.. انطلاقا من مشاركة صغيرة له في أسافل الهرم صعودا لوسطه كحد أقصى في بعض المناسبات وهو ما يجعل رؤيته ناقصة كليا وذلك بالضبط ما تعريه نصوصه، نرى كيف يتصور جزء من الرأي العام أجهزة الظل: قوة مطلقة، حضور دائم، سيطرة بلا أخطاء.. وهذا في حد ذاته أكبر خطأ!
لكن، وبينما يُشدّ القارئ إلى هذا المشهد المثير، ينكشف التناقض: الخيال يغلب على العلم، والأسطورة تهيمن على المنهج.. هكذا أرجو أن أكون قد وضعت القارئ أمام الباب الأول: عالم الحيجاوي ليس عالماً من وثائق وتقارير، بل عالماً من صور ورموز واستعارات.. إنه مدخل مثير، لكنه أيضاً مدخل ملغوم جدا لأن الحديث هنا عن مبتدئ كان متحمسا جدا فجعله الطرد يسوق نفسه رجل ريادة وقيادة !

مملكتنا.م.ش.س

Loading

مقالات ذات صلة

الجمعة 29 أغسطس 2025 - 12:47

الهدهد .. لوبيات غاضبة وأقلام مأجورة ضائعة .. المغرب يصنع التاريخ ومن وراء مقالات “لوموند” يَئِن !

الأربعاء 27 أغسطس 2025 - 22:14

الافتتاحية الصباحية .. حين يسقط الإعلام الجزائري في امتحان الحموشي

الثلاثاء 26 أغسطس 2025 - 23:07

مهدي حيجاوي .. الكارثة الفكرية التي تظن نفسها مرجعاً أمنياً !

الإثنين 25 أغسطس 2025 - 16:13

الحلقة الثانية .. العمارة المتخيّلة هرم الظل في عالم الحيجاوي