محمود هرواك
مقدمة .. حين يتحدث القلب قبل القلم
ليس من السهل أن يكتب المرء عن فنانة هي خالته، عن امرأة جمعَت بين الدفء العائلي والسمو الفني، عن صوت من أصوات الذاكرة المغربية ووجه من وجوهها الباقية في الضمير الجمعي. عائشة مهماه ليست مجرد اسم في دفتر الفن المغربي، إنها شجرة معمّرة، جذورها في مسرح الهواة وفروعها وارفة في سماء السينما والتلفزيون. ولأنني ابن أختها، أجد نفسي اليوم في حرج جميل: أأكتب عنها كما يكتب الصحافي بأدوات الحياد؟ أم كما يكتب العاشق المولع بلغة الفن والتقدير والحب والبلاغة والحنين؟ لقد اخترت الخيار الثاني، أن أكتب عنها بما يليق بها، بلغة الأدب وشاعرية المعنى التي تليق بأيقونة لم ينصفها الزمن بما يكفي.
البدايات .. طفلة المسرح وصوت الحارات الشعبية
وُلدت عائشة مهماه في مغرب القرن الماضي، زمن التحولات الكبرى، حيث كان المسرح نافذة الشعب على ذاته. ومنذ نعومة أظافرها، كانت تنصت لهمسات الركح كما ينصت العصفور لرفرفة جناحه الأولى. التحقت بمسرح الهواة، وهناك بدأت الحكاية؛ كانت تصعد الخشبة كمن يصعد عرشًا صغيرًا، تهب جسدها وروحها للدور حتى يغدو الدور هو الجسد والروح بإتقان قلما يوجد.
كانت تمثل بعفوية بليغة، عفوية تكسر الحواجز وتعيد صياغة العلاقة بين الممثل والجمهور. لم يكن المسرح لها تمرينًا على التمثيل، بل كان درسًا في الحرية والجرأة، في قول ما يعجز الآخرون عن قوله.
المسرح .. أم الفنون ومدرسة الصرامة
في خشبات المسرح، تمرّست عائشة مهماه على الصبر والانضباط، على الإنصات للمخرج واحترام النص. هناك، في تلك الليالي الطويلة من البروفات، تشكّل معدنها الصافي. شاركت في مسرحيات جعلت منها وجهًا مألوفًا في الوسط الثقافي، ومن خلالها صارت أيقونة قادرة على حمل النصوص الثقيلة وإلباسها حياة نابضة. لقد كانت تعمل كما تعمل الطيور في الصبحيات الدافئة المشرقة؛ مهابة وذكاء، وقوة وحنان.
السينما .. العين التي ترى أبعد من المرئي
مع بداية انفتاح المغرب على السينما المحلية، دخلت عائشة مهماه هذا المعترك الجديد. أدوارها على الشاشة الكبيرة لم تكن أدوارًا ثانوية، بل بصمات محفورة في الذاكرة. كل فيلم شاركت فيه كان يكتسب من حضورها بُعدًا إنسانيًا، إذ تملك تلك القدرة النادرة على تحويل لحظة صامتة إلى خطبة بليغة، ونظرة عابرة إلى ملحمة داخلية. النقاد رأوا فيها “الوجه الطبيعي للمرأة المغربية”، بكل تفاصيلها: قوتها، ضعفها، كبرياؤها، وانكساراتها.
التلفزيون .. بيتها الكبير وبيت المغاربة جميعًا
لكن التلفزيون هو المجال الذي جعلها حقًا جزءًا من كل بيت مغربي وأدخلها غرف القصر الملكي لتشاهدها بحب الأسرة الملكية والكائلة العلوية الأميرية التي أحبتها وقدرتها. منذ أن أطلت لأول مرة على الشاشة الصغيرة، كان حضورها مثل “كوب شاي منعنع في مساء شتوي”: دافئ، أصيل، وضروري. تنقلت بين أدوار الأم الحنون، والجارة الصديقة، والمعلمة الحكيمة، وحتى المرأة الصارمة… في كل هذه الأدوار، كانت تضيف لمستها الخاصة: لمسة الصدق. المشاهد المغربي على اختلاف فئاته ومشاربه لم يرَ فيها مجرد ممثلة، بل رأى نفسه، رأى أمه، رأى جدته، ورأى المرأة المغربية التي تحيا بكل تناقضاتها.
التكريمات والجوائز: حين ينحني المسرح احترامًا
لم يمر عطاؤها دون اعتراف. حصلت على جوائز وتكريمات في مهرجانات وطنية ودولية، وكل مرة كانت تقف على المنصة لتتسلم درعًا أو شهادة، كان الجمهور يصفق بغزارة مطولا ليس لممثلة فقط، بل لمسيرة، لقيمة، لامرأة آمنت أن الفن رسالة قبل أن يكون مهنة.
الوسام الملكي .. لحظة المجد الأكبر
ولعل أسمى اللحظات التي وسمت مسارها، تلك اللحظة التي أنعم عليها جلالة الملك بوسام ملكي سامٍ، تكريمًا لعطائها الفني الطويل. لقد كان ذلك الوسام بمثابة تاج على رأسها، ووسادة من نور تُسند بها سنوات التعب الطويلة. ففي حضرة التكريم الملكي، لم تكن عائشة مهماه مجرد فنانة، بل صارت رمزًا وطنيًا، أيقونة مغربية يليق بها أن تُكرَّم بأرفع الأوسمة. كان المشهد أقرب إلى لوحة زيتية: فنانة تشعُّ كبدرٍ في حضرة الملك، والجمهور يتأمل صمتها المهيب وكبرياءها النبيل.
المواقف الإنسانية .. صوت الفنانين وصوت الإنسان
لم تكن عائشة مهماه حبيسة الأدوار والأضواء، بل كانت دائمًا صوتًا مدافعًا عن كرامة الفنانين. تحدثت بجرأة عن معاناة الفنان المغربي، عن هشاشة أوضاعه الاجتماعية، عن ضرورة أن يُعامل الفن كرسالة سامية لا كترف زائد. بكلماتها الصادقة، كانت تفتح نوافذ أمل لجيل جديد من الممثلين الذين رأوا فيها الأم الروحية والذين يتنعمون اليوم بفضل نضالها.
خاتمة .. حين تصير الخالة وطنًا صغيرًا
اليوم، وأنا أكتب عنها بمداد الفخر، أشعر أنني لا أكتب فقط عن خالتي، بل عن جزء من ذاكرة المغرب نفسه. عائشة مهماه ليست مجرد فنانة؛ إنها مدرسة من مدارس الصدق، مرآة لوجوهنا الخفية، ونور يتسلل من الشاشة ليضيء أرواحنا.
سيظل اسمها محفورًا في وجداننا كما تُحفر الأسماء على جذوع الأشجار العتيقة. وإذا كانت الكلمات عاجزة عن رد جميلها، فإن المقال هذا محاولة متواضعة لتخليدها كما يليق بها: تحفة من تحف المغرب الحيّة.
مملكتنا.م.ش.س