بيكين – عشية مغادرته إلى بكين، في زيارة رسمية تستمر أربعة أيام، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أنه سيعيد طرح فكرة “نظام عالمي متعدد الأقطاب”، مؤكداً أن التعاون مع الصين يشكل ركيزة أساسية في هذا التوجه الذي يسعى إلى إنهاء ما وصفها بـ”الهيمنة الأمريكية على الشؤون الدولية”.
وقال بوتين، في مقابلة مطولة مع وكالة الأنباء الصينية “شينخوا” نُشرت على الموقع الإلكتروني للكرملين، إن لقاءه مع الرئيس الصيني شي جين بينغ خلال قمة منظمة شنغهاي للتعاون في مدينة تيانجين، جنوب شرق بكين، من شأنه أن يضفي “زخماً قوياً إضافياً” على مساعي بناء نظام عالمي جديد أكثر عدالة وتوازناً.
المقابلة التي جاءت في توقيت حساس لم تتطرق إلى ملف أوكرانيا أو “العملية العسكرية الخاصة” التي تشنها موسكو منذ أكثر من عامين، لكنها عكست رؤية الكرملين لمستقبل العلاقات الدولية في ظل تصاعد التوتر مع الغرب؛ فقد شدد بوتين على ضرورة تجاوز مرحلة الاعتماد على الدولار، مشيراً إلى أن روسيا والصين حولتا تقريباً جميع تجارتهما إلى عملتيهما الوطنيتين.
واعتبر المتحدث أن تعزيز دور مجموعة “بريكس” – التي توسعت مؤخراً لتشمل أعضاء جدد إلى جانب البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا – يشكل عنصراً أساسياً في موازين القوى الجديدة، ويعكس صعود ما سماه “الجنوب العالمي” كفاعل رئيسي على الساحة الدولية.
وفي هذا السياق دعا الرئيس الروسي إلى إصلاح شامل لمؤسسات التمويل الدولية، مؤكداً أن بلاده وبكين تدعمان إعادة هيكلة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بما يضمن توزيعاً أكثر عدلاً لأدوات التمويل على جميع الدول دون استثناء.
كما شدد بوتين على أن إصلاح منظمة الأمم المتحدة أمر حتمي، وعلى وجه الخصوص توسيع عضوية مجلس الأمن الدولي ليضم دولاً من آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية، معتبراً أن هذا التوسع ضروري لجعل المنظمة أكثر ديمقراطية وملاءمة للواقع العالمي المعاصر.
الرئيس الروسي خصص جزءاً كبيراً من حديثه للبعد التاريخي في العلاقات الروسية–الصينية، مؤكداً أن البلدين يقفان ضد محاولات “تشويه أو تزوير” تاريخ الحرب العالمية الثانية.
وانتقد المتحدث ما وصفها بـ”مساعي بعض الدول الغربية لإعادة النظر في نتائج تلك الحرب وتجاهل أحكام محاكم نورمبرغ وطوكيو”، معتبراً أن هذه التوجهات تمثل “تزويراً متعمداً للحقيقة التاريخية”، وتشجع على النزعات الانتقامية والنازية الجديدة، وموضحا أن روسيا والصين متفقتان على الدفاع عن الذاكرة التاريخية الجماعية باعتبارها ركيزة أساسية لبناء نظام عالمي قائم على الحقيقة والعدالة.
وفي الجانب الاقتصادي شدد بوتين على أن الصين تمثل الشريك التجاري الأهم لروسيا وأكبر زبون لمواردها من النفط والغاز، وأوضح أن روسيا تواصل ريادتها كمصدر رئيسي للطاقة بالنسبة إلى الصين، مشيراً إلى أن خط أنابيب “قوة سيبيريا” الذي دخل الخدمة عام 2019 تجاوزت إمداداته التراكمية بالفعل 100 مليار متر مكعب من الغاز، مع خطط لإطلاق مسار جديد يعرف بـ”المسار الشرقي الأقصى” في 2027.
كما تحدث بوتين عن مشاريع الغاز الطبيعي المسال المشتركة في منطقة القطب الشمالي الروسية، معتبراً أنها تعكس عمق التكامل بين موسكو وبكين في مجال الطاقة؛ ولم يفته أن يشير إلى أن روسيا تستخدم الإيرادات المتأتية من صادرات الطاقة لتمويل احتياجاتها في مواجهة العقوبات الغربية.
سياسياً أكد الرئيس الروسي أن الشراكة الإستراتيجية مع الصين أصبحت عنصراً أساسياً للاستقرار، ليس فقط في أوراسيا، بل على المستوى العالمي بأسره، وقال إن موسكو وبكين تتبنيان مواقف متقاربة إزاء معظم القضايا الدولية الكبرى، بدءاً من الدعوة إلى نظام عالمي عادل ومتعدد الأقطاب، وصولاً إلى رفض استخدام الأدوات المالية كوسيلة لتحقيق “أهداف استعمارية جديدة” تضر بمصالح غالبية الدول.
وأضاف الرئيس ذاته أن “الارتباط الإستراتيجي الروسي–الصيني يعمل كعامل استقرار”، موردا أن القوتين الأكبر في أوراسيا لا تستطيعان تجاهل التحديات والتهديدات الراهنة، سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي.
بوتين خصّ بالثناء الرئيس الصيني شي جين بينغ، واصفاً إياه بأنه “قائد حقيقي يتمتع بإرادة قوية ورؤية إستراتيجية عالمية”، وزاد أن شخصية شي تلعب دوراً محورياً في قيادة الصين خلال مرحلة دولية مفصلية، مشيراً إلى أن حرصه على المصالح الوطنية لبلاده يجعله شريكاً استثنائياً في صياغة المستقبل المشترك، وتابع: “إن وجود شخصية مثل شي جين بينغ على رأس الدولة أمر بالغ الأهمية بالنسبة للصين في فترة معقدة من التحولات العالمية”.
زيارة بوتين إلى الصين، التي وصفها الكرملين بأنها غير مسبوقة من حيث مدتها ونطاقها والموضوعات التي ستتناولها، ستشهد لقاءات مع قادة من الهند وتركيا وإيران وصربيا وباكستان ودول أخرى.
ومن المتوقع أن يشارك ممثلون عن 20 دولة وعشر منظمات في قمة منظمة شنغهاي للتعاون، وهي الأكبر منذ تأسيس المنظمة قبل 24 عاماً لمكافحة الإرهاب وتعزيز التعاون الاقتصادي.
وستختتم الزيارة في الثالث من شتنبر المقبل، حيث سيحضر بوتين كضيف رئيسي العرض العسكري الذي تنظمه بكين، في مشهد يعتبره مراقبون دليلاً جديداً على متانة “الصداقة اللامحدودة” التي تجمع روسيا والصين.
مملكتنا.م.ش.س/و.م.ع