متحف سانت-إكزوبيري (Saint-Exupéry) بطرفاية .. حين يلتقي البريد الجوي بسحر الأدب

السبت 30 أغسطس 2025 - 17:55


طرفاية – على تخوم الصحراء المغربية، حيث تعانق الكثبان الرملية أمواج المحيط الأطلسي، ينتصب فضاء منعزل مليء بالذاكرة والرمزية، إنه متحف أنطوان دو سانت-إكزوبيري بطرفاية، مكان يتقاطع فيه عبق مغامرة البريد الجوي مع نفس الأدب الخالد، وحيث لا تزال روح “الأمير الصغير” تنبض بالحياة.

للوهلة الأولى، قد تبدو طرفاية، التي عُرفت قديما باسم “كاب جوبي” (Cap Juby)، مجرد منتجع ساحلي هادئ قيد التوسع. غير أن المتأمل يدرك أن في ثنايا المكان ما هو أعمق و أبعد من العين المجردة، تماما كما جاء في إحدى روائع سانت إكزوبيري: “ما هو جوهري لا يرى بالعين”. هنا يجد عشاق الطيران، والملاحم الإنسانية، والكتابة الأدبية، ملتقى فريدا بين الذاكرة والمعنى.

عاش أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي تم تعيينه سنة 1927 مديرا لمحطة البريد الجوي بطرفاية، فترة عزلة امتدت 18 شهرا واجه خلالها كثبان الصحراء الشاسعة وسكونها الآسر. لقد كانت تلك الفترة الحاسمة مهدا لولادة أعماله الكبرى، مثل “بريد الجنوب” و”أرض البشر”، وبطبيعة الحال “الأمير الصغير”، حيث استلهم الكثير من الصور من أجواء المكان.

إن متحف سانت-إكزوبيري، الذي أحدث سنة 2004 بتعاون وشراكة بين الجمعيتين الفرنسية “ذاكرة البريد الجوي”، والمغربية “أصدقاء طرفاية”، ليحمل على عاتقه مهمة أساسية تتمثل في الحفاظ على إرث البريد الجوي، ووضع المنطقة على الخريطة الثقافية العالمية.

ويزخر الفضاء بنماذج طائرات وصور فوتوغرافية، ورسائل قديمة، ووثائق نادرة من تلك الحقبة.

وأكد مدير المتحف، مربيه ربه شيبة، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن” الإنتاج الأدبي الغزير لأنطوان دو سانت إكزوبيري منح طرفاية إشعاعا عالميا”.

وأبرز  السيد شيبة، وهو أيضا رئيس جمعية “أصدقاء طرفاية”، أنه منذ إحداث المتحف، يشهد عدد الزوار مغاربة وأجانب، تزايدا متواصلا، إنها دينامية معززة بالجهود المتواصلة”.

وأوضح أن المتحف يحتضن أيضا ندوات ومعارض مؤقتة، ومسابقات في الرسم للأطفال، وكذا زيارات لفائدة تلاميذ المؤسسات التعليمية، مضيفا أن الهدف هو استعادة مكانة طرفاية في المخيلة الجماعية، وتحويل التراث إلى رافعة للتنمية، بما يجذب المستثمرين المهتمين بالمشاريع التي تجمع بين الثقافة والذاكرة.

وأكد أن المتحف يسعى، فضلا عن ذلك، “للحفاظ على جزء أصيل من ذاكرة الأقاليم الجنوبية للمملكة، ومن القصة الملحمية للبريد الجوي”.

وتتقاطع هذه الرؤية مع انطباعات زوار المتحف، مثل فرانسواز، القادمة من مدينة نانسي (فرنسا)، التي زارت المتحف لأول مرة.

تقول فرانسواز ، “من الرائع التعمق في تاريخ الطيار وفي كتاباته ومنها  “الأمير الصغير”، وهو عمل ترك في نفسي أثرا كبيرا كمدرسة”.

وأضافت هذه السائحة “لقد أوصيت تلامذتي بقراءة هذا الكتاب لما يحمله من قيم تساعد على النمو والتطور”، مشيرة إلى أن أهمية هذا العمل لم تتضاءل رغم مرور السنين”.

ويستقبل المتحف سنويا عدة فعاليات دولية، وسباقات أسطورية على خطى رواد البريد الجوي، مثل اللحاق الجوي تولوز- سانت لوي (السنغال)، ولحاق لاتيكوير، ولحاق ميرموز.

وهكذا أصبح مدرج هبوط الطائرات يستقبل الطيارين المشاركين في هذه اللحاقات، القادمين لتكريم أولئك الرواد الذين تحدوا الرياح والأعطاب خلال  عشرينيات القرن الماضي لنقل البريد عبر القارات الثلاث: أوروبا، إفريقيا، وأمريكا الجنوبية. وقد بقيت طرفاية، دوما، نقطة الالتقاء.

خلف جدران المتحف، تتجسد طرفاية كأرض إلهام، حيث حول كاتب عالمي تجربة المنفى والعزلة إلى كنز شعري خالد.

في هذا الفضاء، الذي كان ملتقى لرواد الطيران، تتعلم الأجيال الجديدة أن لا عقبة مستحيلة، وأن وراء كل رحلة جوية كان هناك إنسان، ومحرك هش، وصحراء شاسعة، ومدير محطة كتب ذات يوم واحدة من أعظم روائع الأدب العالمي.

Loading

مقالات ذات صلة

السبت 30 أغسطس 2025 - 11:03

المخرج بونغ جون هو، رئيس لجنة تحكيم الدورة الـ22 للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش

السبت 30 أغسطس 2025 - 09:52

آسفي تعيش على إيقاع النسخة الـ11 لمهرجان كناوة صامبا الدولي

الجمعة 29 أغسطس 2025 - 23:42

أكادير .. “أجي نرسمو”.. تظاهرة فنية تشاركية مخصصة للفنون التشكيلية

الجمعة 29 أغسطس 2025 - 20:24

عائشة مهماه .. أيقونة الفن المغربي وذاكرة الشاشة المضيئة