محمد الدرغالي
الصويرة – في مدينة لا تتعب من مصافحة الريح، ولا تملّ من الإصغاء إلى هدير الأطلسي، عادت الصويرة لتفتح نوافذها على العالم وهي تحتضن الدورة الرابعة من مهرجان “روح الثقافات”، كأنها تعلن من جديد أن المغرب ليس مجرد جغرافيا، بل فكرةٌ تمشي على قدمين اسمها التعايش.
على إيقاع السماع والمديح، وتحت إشراف الأمين العام للزوايا القادرية والفنان هشام دينار، تحولت ليالي المدينة إلى بساطٍ من نور، تُنسَج خيوطه من أصواتٍ روحية متعددة المشارب. كان المهرجان أشبه بقافلةٍ رمزية تعبر الأزمنة، تحمل في حقائبها ذاكرة الأندلس، وهمس الزوايا، وأنفاس المتوسط.
ويأتي هذا الموعد الثقافي في سياق الرؤية التي يشرف عليها أندري أزولاي، مستشار جلالة الملك محمد السادس، وهي رؤيةٌ جعلت من المغرب مرآةً تعكس وجهاً آخر للمنطقة: وجهاً تُصافح فيه المآذنُ أجراسَ الكنائس، وتجاور فيه المعابدُ نبضَ الأسواق العتيقة. رؤية تؤمن بأن الحوار ليس ترفاً ثقافياً، بل ضرورة حضارية.
وشهدت التظاهرة حضور شخصيات دبلوماسية وثقافية وازنة، من بينها سفير مملكة إسبانيا، والمسؤولة الثقافية بجهة الأندلس، ورئيس المجلس البلدي للمدينة، في مشهدٍ بدا كلوحة فسيفساء بشرية، تتجاور فيها اللغات كما تتجاور الألوان. وعلى الخشبة، صدحت فرقة السماع والمديح التابعة للزاوية القادرية بالصويرة، ورددت فرقة الإنشاد الديني الأندلسي القادمة من أشدود ألحاناً عبرت البحر كما تعبر الطيور المهاجرة، فيما أضافت فرقة إسبانية للإنشاد الديني لمستها الخاصة إلى هذا النسيج الروحي.
كما حضر التظاهرة خوان كارلوس كابيرو، رئيس ملتقى أساتذة الفلسفة للفكر والتربية بمليلية وممثل اتحاد كتاب إسبانيا والعالم العربي بإسبانيا، إلى جانب علي اليزيد، رئيس تعاونية الوفاء بالناظور، ورئيس جمعية موشي بنميمون للتراث اليهودي المغربي والثقافة بالناظور. حضورٌ أكد أن الثقافة حين تلتقي بالفكر، تتحول إلى جسرٍ لا تهزه العواصف.
لم يكن “روح الثقافات” مجرد مهرجان فني، بل بدا كأنه رسالة في قارورة، ألقتها الصويرة في بحر العالم، تقول فيها إن الاختلاف ليس شرخاً، بل زخرفة؛ وإن التعدد ليس تهديداً، بل ثراء. هنا، في مدينة الرياح، يصبح التعايش عادة يومية، ويغدو الانفتاح خبزاً يُقسم بين الجميع.
هكذا تكرّس الصويرة، دورةً بعد أخرى، صورتها كعاصمةٍ رمزية لحوار الثقافات، وتؤكد أن النموذج المغربي ليس شعاراً يُرفع في المناسبات، بل ممارسة حيّة، تتجدد كلما اجتمع صوتٌ إلى صوت، وقلبٌ إلى قلب.
مملكتنــــــــا.م.ش.س
![]()








