مدينة الزبارة في قطر … تاريخ ينبعث من قلب رمال الصحراء ضاجا بالحكايا

آخر تحديث : الإثنين 9 أبريل 2018 - 3:32 مساءً
Advert test

مدينة الزبارة في قطر … تاريخ ينبعث من قلب رمال الصحراء ضاجا بالحكايا

الدوحة-غير بعيدة عن مياه الخليج الهادئة بلونها اللاّزَوَرْدي الآسر، وفي مهب نسيمات هوائها اللافح بحرارة متقدة لصيف جاء هذه السنة قبل أوانه، وبِصَمتِها المغرق في السكون والتأمل، تَضِجُّ مدينة الزبارة (على بعد 105 كلم شمال غرب الدوحة)، أو ما تبقى من اثارها المنبعثة من قلب رمال الصحراء، بما لا حصر له من الحكايا الفواحة بعبق التاريخ البعيد.

آثار وبصمات ومعالم لحياة كانت فَيّاضة بالحركية، ومتماهية مع مياه الخليج حين تُقْبِلُ بالأعطيات والهبات (من أسماك ولؤلؤ ومرجان وملح)، وأيضا حين تُجْفِلُ وتبخل أو تُدمي الأفئدة لتختطف الأحبة، تحت عَصْف رياحها الهوجاء، وتَمَنُّعِ أعماقها، وافتراسها أحيانا، دون رحمة، لحياة الباحثين عن للآلئها.

غواصون لم يكن لهم من سبيل الى الثمين من هذه الهبات إلا اقتحام الأعماق بأساليب جد بدائية. عمادهم الاستكانة الى اللطف الإلهي، والتماس قوةٍ ومرونةٍ من جسدٍ مُجبَرٍ على أن يكون مِطواعا. والأهم من ذلك أن تكون له طاقة قياسية لتحمل البقاء لفترات أطول داخل اللجة الزرقاء دون “أوكسجين”.

لم تكن، في الغالب، تحركهم متعة الأعماق، وإن كانت جزءا مطلوبا لتغدو المهمة أخف تحملا ومدعاة للإقبال والاستمرار، وإنما دأبهم ذاك كان تلبية لنداء الحاجة لضمان اللقمة وسط أرض صحراء لم تكن توفر من سبيل للعيش إلا هاته الأعماق المليئة بالأسرار، المرحبة حينا والمتمنعة أحيانا أخرى.

ملحمة حقيقية كانت تربط مياه الخليج وما وراء مداها بمنطقة الزبارة التي رسمت مدنيتها البحرية وصمدت أمام شتى الهجمات والأطماع من 1760 الى غاية 1811 ، قبل أن يهجرها ساكنوها، وتَفْرُغَ مرافئُها إلا من رياح لافحة بالأنين عن زمن ودعت أيامُه ولياليه مضاجعَها الآمنة وتركتها نهبا للاندثار.

أسست الزبارة، كفضاء للعيش والتنافس والصراع، لملحمة حقيقية عن الانسان في مواجهة البحر والمجهول، في تشكيلة متنوعة؛ بصمها العابثون والطامعون والباحثون عن الثروة والمجد، والراغبون أيضا في الاحتماء والعزلة، ومن قذفت بهم صدفة مياه البحر أو رمال الصحراء البعيدة، ممن أقاموا بها وعمروها. أيضا من مروا بها خفافا، ونسجوا فيها، ومن خلالها تاريخا وثقافة عمرت لسنين وبقيت آثارها شاخصة للعيان، واستحقت بما حملته من عمق إنساني أن تصنف في 2013 ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو.

بدأت الحفريات بهذه المنطقة التي تفتح أذرعها على الخليج عبر تلة مرتفعة بعض الشيء، ما أعطاها إسم “الزبارة” (نسبة الى المرتفع من الأرض)، في خمسينيات القرن الماضي مع باحثين دانماركيين؛ كانوا من أوائل من صنفها في دائرة التراث الإنساني، لتتواصل بعدها في الثمانينيات مع باحثين قطريين وأجانب، وتنشط في 2002 وتبلغ الذروة في 2009، حيث تم تسجيل الموقع “منطقة محمية”.

وأثمرت تنقيبات هؤلاء الباحثين المتخصصين سجلا غنيا كاشفا عن بعض أسرارها الدفينة؛ باعتبارها مدينة تجارية ومرفأ بحريا هاما في تلك الفترة. وملتقى لثقافات مختلفة. ومن ثمة اعتبرها الباحثون المشرفون على عمليات التنقيب، جزءا من تاريخ العالم قمينا بالدرس والاستجلاء، وذلك في ما سجله بها ومنها الى غيرها من مرافئ العالم، مرور فاعلين في قطاعات شتى (من تجار وساسة وسماسرة ومستكشفين وحالمين وتائهين)، من اكتشاف متبادل للثقافات وتلاقح كان فاعلا في تطور الحياة لدى ساكنيها والمتعاملين معها.

يتألف موقع الزبارة، الذي يمتد على مساحة 60 هكتارا، من هيكل المدينة المسجاة في ما تبقى من أثارها على شاطئ البحر. وهي ما تزال تحتفظ، في شكل أثر لمخطط، بمختلف مرافقها، حتى ليخالها الناظر اليها من على مرتفع بعيد، وكأنها، بما هي عليه الآن، مخطط المدينة أو مجسمها الأولي قبل أن تخضع للتعمير. وقبل أن تكتنز دروبها ومسالكها وأبنيتها بالأصوات والحركة وحكايا الحياة في مواجهة الصراع من أجل البقاء، وأيضا قبل أن تعيش مكابداتها في اقتناص لذة ومباهج الوجود، وانعطافات الانخراط في ملحمة بناء إنسان حاضرها ومستقبلها أنذاك.

وخلف المدينة الساكنة قريبا من تدحرج موج الخليج الهادئ، تقف قلعة الزبارة، التي يرجع بناؤها إلى 1938، رابضة متحصنة بأسوارها الحجرية، وهي تراقب من بعيد سكونَ الموقع في محاذاته بزرقة البحر وامتداد الصحراء وعزلتها الحالية. كان أعيد ترميمها سنة 1986 قبل أن يتم تحويل جزء من مرافقها الى متحف خاص بتجميع اللقى المستخلصة من الحفريات الجارية بالموقع، وتصبح فضاءا جاذبا للسياحة الثقافية بامتياز .

بنيت القلعة وفق مخطط مربع الشكل، طول كل ضلع من أضلاعها 24 مترا، بأربعة أبراج ركنية، كل منها يطل على الأفق ورحابة الفضاء من خلال شرفات مسننة. تتيح من خلال فتحاتها إمكانية مراقبة العدو القادم، واستهدافه قبل أن تطأ أقدامه بواباتها، فيما يتوسطها من الداخل صحن مكشوف لشمس ونجوم الأفق .. ونحو سبعة غرف وسقيفتين، بينما تخفي أبراجها الأربعة بالداخل غرفا علوية على شكل مراصد مراقبة.

تمثل الزبارة، بحسب باحثين في مجال الأركيولوجيا، أحد “أفضل الأمثلة الباقية للمدن الخليجية التي كانت تقوم على التجارة خلال الفترة الممتدة ما بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر”، وبالضبط تجارة السمك واللؤلؤ، فيما تحكي الكثير من اللقى عن وجود خزفيات تشير الى وجود روابط تجارية مع بلدان في أوروبا كهولندا.

وماتزال عمليات الحفظ والتنقيب جارية في موقع المدينة لاكتشاف مزيد من خباياه واستنباط وقراءة تاريخ وثقافة تلك المرحلة وتثمين اللقى ونتائج البحث المستجدة. وما يزال الموقع، في نفس الوقت، يستقبل العديد من الزيارات سواء منها ذات الطابع السياحي الاستكشافي أو التعليمي المنظمة لفائدة الطلاب.

وخلال الأسبوع الأخير لشهر مارس كانت متاحف قطر أعلنت عن الانتهاء من ترميم مجمعٍ تاريخي لمكابس التمر “مدابس” بقلب مدينة الزبارة، وهي المدابس التي تم اكتشافها سنة 1980 وخضعت للترميم بين عامي 2017-2018 .

ويعرف دبس التمر ب”العسل الأسود وهو عبارة عن شراب كثيف القوام، حلو المذاق، داكن اللون، يتوفر على عناصر غذائية مهمة”، يوظف في تحضير أطباق وحلويات متعددة. ويؤشر هذا الاكتشاف الى جانب من العادات الغذائية لساكني هذه المدينة ولأسلوب إنتاج جانب من مؤثثات موائدهم، وما قد يكون بعضا من المنتوجات التي كانت موجهة للتصدير أنذاك الى بلدان وكيانات مجتمعية من جيرتهم أو الى ما وراء حدود مياه الخليج الماثلة أمامهم.

وبهذا الخصوص، سجلت متاحف قطر، في بيان لها، أن موقع المدابس “يلقي نظرة مدهشة على كيفية صنع دبس التمر الغني بالبروتينات قديما”، وهو ما اعتبرته “إضافة جديدة” لجهودها الرامية إلى ربط أبناء المجتمع القطري بماضيهم وتاريخهم.

وأكد المدير التنفيذي لقطاع التراث الثقافي بالوكالة في متاحف قطر، علي الكبيسي، في تصريح صحفي بهذا الخصوص، أن “التنقيب والحفظ من المهام الأساسية للحفاظ على الهوية القطرية وحماية التراث”، وأنه من باب الإيمان بأن “مستقبل قطر بيد أبنائها” فإن الضرورة تحتم أن تكون كل السبل مهيأة لكي يفهموا جيدا “الجذور التي شكلت ماضيهم وأسهمت في صياغة هوياتهم الحالية”، لكي يتسنى لهم الحفاظ على هذه الهوية ومواصلة البناء.

مملكتنـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا.م.ش.س

Advert test
2018-04-09 2018-04-09
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

مملكتنا
%d مدونون معجبون بهذه: