في ظلال الأسرار .. حين وُلدت “لادجيد” المديرية العامة للدراسات والمستندات

الخميس 24 يوليو 2025 - 13:55

محمود هرواك

في وطنٍ ينام على ضوء القمر ويستيقظ على هسيس الرياح القادمة من أعماق التاريخ، لم تكن الدولة المغربية الحديثة لتخطو بثبات نحو الاستقرار دون عينٍ ساهرة، تراقب ما لا يُرى، وتقرأ ما لا يُكتب، وتفكّك ما يُحاك في الظلال.
ومن هنا وُلِدت لادجيد.
مديرية الدراسات والمستندات، أو كما يعرفها القلائل الذين تشاركهم الأسرار: La Direction Générale des Études et de la Documentation، هي ليست مجرد جهاز استخباراتي، بل مؤسسة ذات أنفاس طويلة، نعم، أطول من شهيقك وزفيرك! لادجيد اسم الرنة على موسيقى التميز تشتغل حيث لا صوت يعلو، ولا أثر يُترك، ولا توقيع يُرى.

🔹 التأسيس: حين قرر المغرب أن يفكر في الظل
في العام 1973، على وقع تحولات إقليمية خطيرة، ومحاولات انقلابية كانت البلاد تعيشها بين حين وآخر، قرّر الملك الحسن الثاني، بدهائه السياسي المعروف، أن الحاجة أصبحت ماسة لجهاز استخباراتي خارجي مستقل عن الجيش وعن البوليس، له عين على العالم، لا الداخل.

تمّ التأسيس الرسمي لـلادجيد، وتمّ إسناد قيادتها الأولى إلى أحمد الدليمي، الجنرال الذي كانت له علاقة مباشرة بالملفات الثقيلة، والمقرب من دائرة القرار الملكي.

هكذا بدأت الرحلة…

🔹 ولادة في الخفاء… وانطلاقة نحو العمق
منذ لحظة التأسيس، لم تكن “لادجيد” جهازًا تقليديًا! لم تُخلق لتكون أداة قمع داخلي أو بوليسًا سياسيًا، بل خُلقت لتشتغل على المسرح الدولي؛
قصد:
تجميع المعلومات من الخارج، تحليل التهديدات العابرة للحدود، نسج علاقات سرية مع أجهزة نظيرة في إفريقيا، أوروبا، والشرق الأوسط وفي كل مكان وتراب وماء وجليد وعمق في العالم!

🧩 أدوات لا تُكشف… وجنود لا يُعرفون!

ما يميّز لادجيد عن غيرها، ليس فقط التكوين العسكري لعدد من عناصرها، بل اعتمادها على أدوات غير تقليدية منها:
شبكات مدنيين غير رسميين في بلدان حساسة!
تعاون استخباراتي مع أجهزة كبرى (من بينها CIA وDGSE الفرنسية).
غرف تحليل بيانات تعتمد على خوارزميات معقدة لفك شيفرات التهديدات الأمنية.

🧠 لفهم ما لا يُقال… مقدّمة لا بُدّ منها..

ليس سرًّا أن أخبار الاستخبارات حين تطفو على السطح، فإنها لا تفعل ذلك اعتباطًا. وعندما يُقال إن فلانًا “عميل”، أو يتحدث الناس عن “مهدي حجيوي” الذي أقام الدنيا وشغل الناس مؤخرا، أو غيره، فإن ما يظهر أمام أعين الجمهور ليس سوى رأس جبل جليدي، تخفي تحته طبقاتٍ من التعقيد والدهاء والرمزية.

ولأننا اليوم عزيزاتي أعزائي أمام واقع مغربي بدأ يَكتشف تدريجيًا أن الأجهزة الاستخباراتية ليست “غرفًا مظلمة” بل أدوات سيادية لها حضورها وتأثيرها، وجب أن نبدأ من الأساس:
من البناء الأول، من البذرة التي أنبتت “لادجيد”، من اللحظة التي قررت فيها الدولة أن تراقب العالم بعيون لا تنام.

ذلك ان الصحافة المغربية ـ بخلاف نظيراتها في أوروبا أو أمريكا ـ لم تعتد على مقاربة هذا النوع من المواضيع بجرأة أو وضوح، لأسباب تاريخية وسياسية معروفة.. الخوف، عقدة المخزن، “البوليس السياسي” وتاريخه.. لذلك يحزنني أنا الصحافي العميل؛ عميل الحقيقة طبعا! أن أشاهد تيه الصحافة والإعلام المغربيين وانعدام اطلاعهما ليس فقط على الأسرار بل حتى الأبجدية الأولى للتحليل الصحفي الرصين الاستقصائي…
لكننا اليوم إزاء تحول بليغ… ومن لا يفهم الأساس، لن يُدرك دلالات التفاصيل.

من هنا، تأتي هذه السلسلة. ومعها أبرُزُ بفخر؛ أنا الذي تَعوّد اقتحام الردهات المخيفة بلا خوف ولا طرق أو حتى استئذان…!
ليست محاولة للكشف، بل للفهم والتّبيان ! ليست رواية بوليسية، بل رصدٌ ذكيّ تاريخي لمسار مؤسسة ظلّت تعمل في صمت، بينما كانت تُغيّر توازنات شتى في الخفاء.

🕯️ في دهاليز الغموض… حين تتكلم الأسرار
🔰 من لا يفهم الجذور، يتوه في الأغصان…
ومن لا يُدرك ما تُخفيه الجدران الصامتة، يظن أن كل ما يسمعه في العلن هو كل الحقيقة.

في الآونة الأخيرة، تناسلت الأحاديث، وارتفعت الهمسات، عن “عملاء” و”مخططات”، صراعات أجنحة على مناصب، وحروب استخباراتية كبيرة، مصطلحات دخيلة علينا، عن مهدي حجيوي وغيرِه، وكأنّنا فجأةً أمام جمهورٍ عطشٍ لفهم ما لم يُحَك له يومًا… لكن مهلاً أيتها المجيبات الصوتية رويدا أيتها النكرات… الحديث عن الاستخبارات المغربية، ليس كالسير في شارع مضاء من شركة للتدبير المفوض!
إنه أشبه بالدخول إلى غابةٍ تحت ضوء القمر، حيث كل ظلٍّ قد يكون رجلاً، وكل غصنٍ قد يكون جهازَ تنصت، وكل صمتٍ قد يخفي حربًا كاملة.

ولأنّ الصحافة المغربية ـ بخلاف نظيراتها في أوروبا وأمريكا ـ لم تُروِّض هذا الحقل بعد، وظلّت تُحجِم عن الغوص في أعماقه، فقد صار من الواجب أن نُقدم للقارئ ما يليق بذكائه لا بفضوله.

وهكذا، نبدأ سلسلة من المقالات، لا تكشف فقط، بل تحكي، تحلّل، تؤرّخ، وتضيء شموع الفهم في ممراتٍ أُطفئت عمدًا.

✒️ الجزء الأول: لادجيد… حين أنشأ المغرب عينه التي لا تغفو!

في بلدٍ يمتدّ كتاريخٍ محفورٍ على صفحة الزمن، لم تكن السيادة مجرد راية تُرفع فوق القصور، بل كانت ـ وستظلّ بالمناسبة ـ مرتبطة بقدرة الدولة على أن تعرف، أن تتوقّع، أن تتنبأ قبل أن تنفجر المفاجآت.

وفي هذه الروح، من صلبها بل ومن صميمها ولدت “لادجيد”…
لا على يد موظف بيروقراطي، ولا في دهاليز وزارة، بل من رحم فلسفة أمنية ملكية شامخة دقيقة، تُدرك أن العرش بلا عيون خارجية، كقافلةٍ تسير في الصحراء دون دليل.

🎯 التأسيس: سنة مفصلية، ورجل من الظلال
كانت سنة 1973 حبلى بالتحديات:

انقلابات هزّت القصر في بداية السبعينات، توتر متصاعد في الصحراء، وقوى عالمية تتحرك على رقعة إفريقيا كما يُحرَّك الجنود على رقعة شطرنج!

قرر الملك الحسن الثاني، بحدسه الاستراتيجي، أن الاستخبارات لا يمكن أن تظل مجرد امتداد للجيش أو البوليس..
فأمر بتأسيس جهاز جديد، مستقل، ذي طابع استراتيجي خارجي:
مديرية الدراسات والمستندات – لادجيد.

أُسندت القيادة إلى الجنرال أحمد الدليمي، رجل الظلال، الغامض، والذي كان يُشار إليه في الكواليس بـ”الصندوق الأسود”.
كان هذا التأسيس بمثابة إعلان غير معلن عن دخول المغرب نادي الدول ذات العمق الاستخباراتي الخارجي.

🕳️ ملامح مختلفة عن باقي الأجهزة!

بعكس الأجهزة الأمنية الداخلية، لم تُخلق “لادجيد” لرصد المظاهرات أو متابعة المعارضين، بل صُمّمت لتكون:

عينًا على الخارج، وأذنًا ترصد ما يهم المغرب من باريس إلى بانجول، وعقلاً يُحلّل المعطيات ويعيد صياغة القرار الاستراتيجي بناءً على معلومات خام لا تصل إلا لدوائر ضيّقة جِدًّا جدا..

كانت أولويات لادجيد في البداية تشمل:

*تتبع تحركات الجارة الجزائر سياسيًا وعسكريًا.
*رصد الدعم الخارجي لجبهة البوليساريو.
*نسج شبكة استخباراتية مغربية في أوروبا الغربية وإفريقيا جنوب الصحراء.
*بناء أرشيف سري من المستندات الاستراتيجية التي لا تُعرض إلا على وبين يدي جلالة الملك.

🛠️ أدوات في الظل: ما لا يعرفه الناس عن “لادجيد”
ما لا يظهر على السطح هو ما يجعل “لادجيد” مثيرة للدهشة!

فهذا الجهاز:
يستعمل دبلوماسيين مُمَوّهين، صحفيين للعمالة ممارسين، وفنانين أكثر من مكولِسين دارسين!
يُجنّد رجال أعمال داخل منظومات دولية كبرى،
يتعامل مع شركات تكنولوجية مغربية وعالمية للحصول على المعلومات في صيغة رقمية خام، ويُشرف على بناء قواعد بيانات متقدمة تُحلّل سلوك الدول، الأسواق، والمجتمعات.

ولأنها مؤسسة منضبطة جدا على عكس غيرها لا تهرول نحو الأضواء بأي ثمن، فإن أغلب أدواتها تبقى طيّ الكتمان…
لكن أثرها يُرى اليوم للأعمى قبل الناظِر في:
تحوّل مواقف الدول من ملف الصحراء، تركيع القوى العظمى،
تراجع نفوذ بعض الجماعات المسلحة في الساحل، بل حتى في صفقات التسلح التي تُبرم بدقة خارقة خلف الستار…
في القوة الناعمة، وانتشار الثقافة المغربية صوب فضاءات العالمية على مصراعيها.. ومن ثم الكثير فالأكثر…

يتبع

مملكتنا.م.ش.س

Loading

مقالات ذات صلة

السبت 30 أغسطس 2025 - 22:38

قطاع السياحة .. عائدات قياسية بـ67 مليار درهم مع نهاية يوليوز 2025 (وزارة)

السبت 30 أغسطس 2025 - 22:04

سلا .. حفل ديني للطريقة الكتانية بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف

السبت 30 أغسطس 2025 - 21:39

منع منتجات التجميل المحتوية على أكسيد ثنائي الفينيل ثلاثي ميثيل بنزويل الفوسفين (وكالة)

السبت 30 أغسطس 2025 - 16:04

جامعة الأخوين بإفران: اختتام النسخة الثالثة من المدرسة الصيفية حول الذكاء الاصطناعي