زينب أسامة .. حين يتجسد بَديعُ القَدَر في هيئة صوت، ويُكتب المجد المغربي بحنجرة أنثى

الجمعة 29 أغسطس 2025 - 09:33

محمود هرواك

في البدء كان الصوت ولعل الصوت وعد.. وعدٌ يهبُنا الحياة حين يطلّ من حنجرة صافية، يداوي الحزن ويُهدهد القلوب كما تفعل الأمهات في ليالي الشتاء الطويلة. إذ هناك أصوات تمرّ كالعابرين، مثل رياحٍ لا تترك أثرًا. وهناك أصوات أخرى بالمقابل تلتصق بالذاكرة مثل وشم أبدي، تُرافقك في الطريق، وفي وحدتك، وفي احتفالاتك.. وتغدو مرآةً لروح وطنٍ بأسره.

من هذه الطينة النادرة، خرجت زينب أسامة.. لا كعصفورة تبحث عن عش، بل كنجمة تُعيد تعريف سماء الغناء المغربي من جديد! في حنجرتها مزيج غريب: شيء من حنان الأطلس، شيء من شجن الصحراء، وشيء من خفة موج شواطئ البيضاء.. أما حضورها فإشراق أنثوي يجعل المسرح بيتًا، والميكروفون صديقًا، والجمهور عائلة واحدة.

زينب لم تولد لتكون “مغنية” وحسب؛ وُلدت لتكون حكاية صوت، ملحمة أنثى مغربية تخاطب القدر بلغته الخاصة، وترسم للمغرب صفحة أخرى في سجل الطرب العربي.. لقد جاءت كمن يقول: “أنا هنا، لا لأقلد ولا لأتبع، بل لأكتب لوني الخاص، أغنيتي الخاصة، وذاكرتي الخاصة في وجدانكم”.

هي ابنة 1992، لكنها ابنة كل الأزمنة أيضًا. لأن صوتها حين ينطلق، يذيب الحدود بين الماضي والحاضر، بين الشرق والغرب، بين القلب والكون. وكأنها تجسد تلك الحقيقة العميقة: أن الموسيقى، حين تصدر من روح صادقة، تصبح لغة أبدية لا تفنى ولا تبلى..

البدايات.. حين ولدت الأغنية في قلب طفلة؛ طفلة تراود الحلم عن نفسه فيخضع!

ولدت زينب سنة 1992، لكن تاريخ ميلادها الفني يبدأ قبل ذلك بكثير، حين كانت تحاول أن تضاهي أصوات الكبار وهي بعد صغيرة لا تكاد تبلغ أناملها الرقيقة أطراف الميكروفون! حينها كانت المدرسة أول خشبة مسرح، وكانت المناسبات العائلية أول جمهور. ثمة بين لعب الطفولة وأحلام البراءة، بدأ الحلم يتشكل، حلمٌ لم يكن مجرد نزوة، بل نداء داخلي لا يهدأ.

دار الأوبرا المصرية.. التمرين على الخلود!

قبل أن تعرفها الجماهير عبر الشاشات، شدّت الرحال إلى دار الأوبرا المصرية، ذلك المعبد الفني الذي لا يفتح أبوابه إلا لأصوات استثنائية. هناك، بين الكواليس والتمارين والرهبة العذبة للمسرح الكبير، صقلت موهبتها بالجدّ، وتعلمت أن الفن ليس مجرد إحساس، بل هو علمٌ وانضباط وجهاد يومي من أجل الكمال..
حين عبرت زينب إلى دار الأوبرا المصرية، لم تكن مجرد فتاة تحاول أن تغني؛ كانت تتدرب على الخلود بمعنى الكلمة! هناك في ذلك الفضاء العريق، حيث لا مكان إلا للكبار، تعلمت أيضا أن الفن ليس فقط عاطفة، بل أيضًا علم وتدريب وصبر. تعلمت الانحناء لهيبة المسرح بالإيتيكيت، واحترام الجمهور، وتقديس الموهبة. وهناك نالت شهادة غير مكتوبة: شهادة الميلاد كفنانة حقيقية.

ستار أكاديمي… الصرخة الأولى؛ صرخة الميلاد الجماهيري

عام 2013، ظهر اسم زينب أسامة على شاشة ستار أكاديمي، فإذا بالجمهور العربي يكتشف ما كان المغرب يخبئه.
شخصيا عرفتها لأول مرة في هذه الفترة حيث حملتُ لها عباءة الضوء بتقدير كما ألِفتُ حملها لكل المشاركات المغربية؛ لكن زينب حين اعتلت مسرح ستار أكاديمي، لم تكن مجرد مشاركة عادية في برنامج تلفزيوني، بل كانت إعلانًا عن ميلاد صوت جديد في سماء الفن العربي. بصوتها العذب، وقوة حضورها، صارت محط أنظار الصحافة، النقاد والجمهور، حتى بلغت النهائي محتلة المرتبة الرابعة، لكن في قلوب محبيها كانت الأولى منذ اللحظة الأولى في كل إطلالة كانت تزرع حبًّا جديدًا في القلوب. جمالها الطبيعي، أناقتها، عذوبة صوتها، وقدرتها على أداء ألوان مختلفة من الطرب والغناء العصري، جعلت منها نجمة البرنامج دون منازع، رغم أنها خرجت في المرتبة الرابعة؛ خرجت من هناك وهي الأولى في عيون المغاربة، والابنة المدللة في قلوب آلاف المعجبين الذين لم تكن بالضرورة تعرفهم وأنا واحد منهم.

رشيد شو… العبور إلى البيوت المغربية

بعد خروجها من البرنامج، شكّل حضورها في رشيد شو حدثًا خاصًا. كان الجمهور المغربي بحاجة إلى الاقتراب أكثر من شخصية هذه النجمة التي سمع عنها ورآها عبر شاشة عربية. ضحكتها، عفويتها، وقربها من الناس جعلتها تدخل البيوت بسهولة. في تلك اللحظة، لم تعد فقط نجمة برامج مسابقات، بل أصبحت واحدة من الفنانات المغربيات اللواتي يمكن أن يُعوّل عليهن لحمل الأغنية المغربية نحو أفق عربي أرحب وواحدة من اللواتي تعرفهن الأمهات.

الأعمال الفنية… زينب تُراكم رصيدها و Penalty لحظة الهدف الكبير.

بدأت زينب مسيرتها العملية بأغنية “دار العام”، التي شكلت بطاقة دخول رسمية إلى المشهد. ثم أتبعتها بأغانٍ مثل “كيفي كيف الناس”، “برا المقارنة” و”وا يا راسي”، وهي أعمال متباينة في موضوعاتها وإيقاعاتها، لكنها تشترك في شيء واحد: بصمة زينب.

لكن محطة “Penalty” كانت مختلفة، إذ كسرت معها القوالب، وقدمت نفسها بجرأة أكبر لجمهور أوسع، ذاك بصوت يساير العصر دون أن يفقد أصالته وروعته. هنا بالذات، أدرك النقاد كما زملاؤها في الوسط الفني أن زينب لم تأتِ لتمر، بل لتبقى، وأنها تتقن معادلة صعبة: أن تكون وفية لجذورها المغربية، وفي الوقت نفسه قادرة على مخاطبة جيل جديد بلغة موسيقية عصرية وهو الشيئ الذي قلما يراه المتابع إلا عند الكبار.
أغنيتها “Penalty” كانت أكثر من كليب شبابي؛ كانت رمزًا لانتصارها. ضربة جزاء سجّلتها في مرمى الشهرة، لتعلن أنّها قادرة على مخاطبة الأجيال الجديدة بلغة موسيقاها. هذه الأغنية، بجنونها وإيقاعها وجرأتها، جعلت النقاد يصفونها بـ”التحول الفني الجريء” في مسيرتها.

زينب بعد الزواج… اكتمال الدائرة ونضج الأنثى والفنانة.

الجميل عند زينب أنها لم يكن زواجها محطة انكسار أو ابتعاد عن الفن كما عند كثيرات شكل الزواج إجهاضا دنيئا لمسارهن، بل بالعكس كان اكتمال دائرة الضوء عند صديقتنا التي يبدو أنها تجيد فن الذكاء العاطفي. زينب في حياتها الخاصة كما في فنها، تُدرك أن الحب قوة، وأن الاستقرار طاقة إضافية تجعلها أكثر صدقًا وعمقًا في الغناء. تلك التجربة منحتها بُعدًا إنسانيًا ينعكس في حضورها، في نظرتها، وفي الطريقة التي تُمسك بها الميكروفون بثقة وإحساس نبيل وكأنها تُمسك قلبها..
وبالعودة والعود محمود إلى شهر يوليوز 2023، أعلنت زينب عقد قرانها على شاب أردني من خارج الوسط الفني. كان حفلها بسيطًا، عائليًا، أنيقًا. ومنذ ذلك اليوم، بدا وكأنها ولدت من جديد: أكثر دفئًا، أكثر توازنًا. لقد تعلمت كيف تفصل بين وهج الأضواء ودفء الخصوصية. ومع إعلان حملها لاحقًا وتوالي الأفراح.. أدرك جمهورها أنّها تعيش مرحلة اكتمال إنساني لا يقل جمالاً وبهاء عن اكتمالها الفني.

فلسفتها الفنية… الفن رسالة لا مهنة فقط

زينب لا ترى نفسها مجرد مطربة تبحث عن شهرة أو مال أو نجاح سريع.. بالنسبة لها، الفن رسالة صدق. هي تؤمن أن الأغنية التي لا تُلامس الروح لا معنى لها، وأن الفنان الذي لا يقترب من جمهوره بإنسانيته وأخلاقه وتواصله، لن يقترب منه بصوته. لذلك، تحرص دائمًا على أن تكون حاضرة، قريبة، متواضعة، وأن تنقل صورة جميلة عن المرأة المغربية: قوية، حالمة، متألقة، وصاحبة مشروع فني وثقافي أخّاذ.

اليوم… والنجاح يبتسم أخيرًا.. (نقول لها بحب الله يداوم)

اليوم، تقف زينب أسامة على عتبة مرحلة ذهبية. لقد تجاوزت امتحانات البدايات، وأثبتت أنها ليست فقاعة إعلامية عابرة مثل كثيرات.. جمهورها يتوسع، أعمالها تحقق الصدى، والنجاح الذي لطالما انتظرته بدأ يبتسم لها بوجهه الكامل. هي الآن ليست مجرد اسم صاعد، بل رقم حقيقي في معادلة الغناء المغربي.

الخاتمة… زينب، أغنية كُتبت ولا تزال بماء القلب

إنها ليست فقط صوتًا جميلاً؛ هي زهرة مغربية فتحت أوراقها في حديقة الفن العربي. تُغني فتُعيد إلينا براءة أحلامنا، وتُضحك فتُضيء عتمات أيامنا. زينب أسامة هي الأغنية التي ستبقى تُرددها الأجيال، لأنها مكتوبة لا بالحروف ولا بالنوتات، بل بماء القلب.. لقد باتت أيضا شجرة وطن تنبت فينا الأغاني والأماني، صوتٌ بمدارك العربية الفصحى واللهجة الدارجة كما باقي اللهجات، ورنين مُحتسب في غور المعاني.. إنها تلك التي تكتب الحب بأوتار روحية، تتركني أنا الكاتب عنها مجبرا أن أزاوج الصحافة بالأدب، ذلك لأن صوتها يهمس: “أنا امرأة من المغرب، أنشد الحرية بشغف في الموسيقى والوجود”.
وإذا كان لكل نجمه، فإن لكل وطن فنانته التي يشهد لها بالجمال والإبداع.. وزينب تلك المغنية التي صارت “برا المقارنة” وكسرت الحواجز بين اللهجات والقارات، بين الأمواج والغروب هي ببساطة ذاكرة نشيدٍ جديد للمغرب.. تابعوها، شجعوها ولن تندموا.. ذلك أن فنها لا ينضب.

مملكتنا.م.ش.س

Loading

مقالات ذات صلة

الأربعاء 27 أغسطس 2025 - 20:31

هرهورة .. افتتاح الدورة السادسة من مهرجان سينما الشاطئ وسط حضور وازن لألمع نجوم الشاشة المغربية

الأربعاء 27 أغسطس 2025 - 14:25

الدار البيضاء .. تأهيل للشواطئ وبرمجة ثقافية متنوعة من أجل صيف مميز

الثلاثاء 26 أغسطس 2025 - 21:05

الرسم على الرمال .. شاطئ طرفاية يتحول الى لوحة فنية من إبداع علي سالم يارا

الإثنين 25 أغسطس 2025 - 22:56

خنيفرة .. إسدال الستار على مهرجان ” أجذير إيزوران الدولي ” في دورته السادسة