محمود هرواك “هدهد المملكة”
حين يلتقي الغرور الفرنسي بصخور المغرب: إنها قصة لوموند التي أخفقت..
منذ أن خطّت لوموند أول سطورها عن المغرب في ستينيات القرن الماضي، بدا وكأنها لم تكن تكتب بالحبر، بل بالحسرة. كل جملة كانت أشبه بغُصّة فرنسية لم تهضم بعد أن مستعمرتها القديمة شقّت طريقها بعيداً عن الوصاية. كانت الصحيفة تتعامل مع المغرب لا باعتباره بلداً حراً، بل باعتباره رقعة شطرنج ضاعت من بين أصابعها، فحاولت أن تعوّض الخسارة عبر المقالات، كما يحاول لاعب مهزوم أن يعيد ترتيب القطع بعد صفارة النهاية.
في 1963، كتبت لوموند عن المغرب بلهجة تنطوي على استصغار، وكأنها تقول: “هذا البلد الصغير لا يحق له أن يرفع رأسه بين الكبار”. وحين اندلعت حرب الصحراء، تحولت مقالاتها إلى ما يشبه نشرة ناطقة باسم الجزائر. لم يكن غريباً؛ فالصحيفة التي تزعم الاستقلالية لم تكن سوى لسان حال لوبيات فرنسية ارتبطت تاريخياً بالجنرالات في قصر المرادية. هنا تحديداً بدأ يتضح أن الأمر ليس صحافة، بل سياسة متنكرة!
في التسعينيات، ومع هبوب عواصف الخليج، اختارت لوموند أن تُسقط على المغرب صورة “التابع الأبدي”، متجاهلة أن المؤسسة الملكية كانت، وما تزال، قادرة على اتخاذ مواقف سيادية لا تُشترى ولا تُباع. وفي اللحظة التي كان المغرب يطلق مشروع الإنصاف والمصالحة، وينجح في أن يكون منارة انتقال سياسي في العالم العربي، هبت لوموند بمقالات عن “الانتهاكات”، كأنها تقول للعالم: “لا تصدقوا هذا البلد… إنما يخادعكم”. فأي موضوعية تلك التي تستيقظ فقط حين يُبهر المغرب العالم؟
لكن الجرح الأكبر عندهم كان في العقدين الأخيرين، حين صارت المخابرات المغربية أشبه بنسر يطير في الأعالي، فيما أجهزة أوروبية بالكاد تمشي كفئران تلاحقها قطتنا في الأزقة. هنا ارتجفت أقلام لوموند. فجأة، مقالات متلاحقة عن “الأجهزة”، “السرية”، “القوة المفرطة”. لم يكن السبب خوفاً على حرية الصحافة، بل انزعاجاً من أن المغرب صار لاعباً استخباراتياً يُحسب له ألف حساب. ثم جاءت مسرحية “بيغاسوس” سنة 2021: اتهام مرتب، بلا دليل، لكنه يخدم الجزائر واللوبيات المتحالفة معها، ويُعطي لوموند مادة دسمة لتنفث غيظها.
من يقرأ هذه الكرونولوجيا يدرك أن القضية أعمق من صحافة. إنها محاولة دائمة لزرع الشك في شرعية المؤسسة الملكية، وفي قوة المخابرات المغربية، وفي الثقة الشعبية التي تجعل المغرب كتلة عصيّة على التفكيك. يريدون أن يقولوا للقارئ الأوروبي: “لا تصدقوا هذا البلد الذي ينهض”. يريدون أن يحوّلوا كل إنجاز إلى شبهة، وكل صعود إلى مؤامرة.
لكن الحقيقة أبسط وأكثر فصاحة: المغرب لم يعد ملعباً فرنسياً. اليوم، في 2025، صار شريكاً للولايات المتحدة في أمن الساحل، لاعباً مع ألمانيا في الطاقة الخضراء، بوابة الصين التجارية عبر طنجة المتوسط، وحليفاً استراتيجياً لإسبانيا وإسرائيل في قضايا الأمن… هذا الصعود المتعدد الأذرع جعل فرنسا مجرد ظلٍّ باهتٍ، وحوّل لوموند إلى مرآة مكسورة لا تعكس سوى حنيناً مَرَضياً لزمن الوصاية الغابر…
إنهم يحاولون أن يهاجموا الملكية لأنها عمود الأطلس، ويستهدفون المخابرات لأنها عين الصقر، ويزرعون الشك لأنهم فقدوا القدرة على صناعة اليقين. لكنهم ينسون أن المغرب يكتب تاريخه بحبر أعمق من مقالاتهم، وأن الريح التي تهزّ أوراق لوموند لا تُحرّك صخرة الأطلس الثقيلة العصية على عوامل التعرية منذ آلاف السنين.
فكل ما تكتبه هذه الصحيفة ليس سوى صرير أقلام في فراغ، محاولة يائسة لتشويه صورة لا تبهت. المغرب يمضي، عصياً على الاختراق، عالياً كما النسور، ثابتاً كما الجبال، فيما لوموند ومن خلفها لوبيات مأزومة تواصل الصراخ في وادٍ لا يرد الصدى إلا عليها.. أكثروا الصراخ فعلى قدر الأنين يكون الألم!
مملكتنا.م.ش.س