Advert Test
MAROC AUTO CAR

إبحار في رواية رواء مكة

آخر تحديث : الجمعة 5 يوليو 2019 - 11:47 مساءً
Advert test

إبحار في رواية رواء مكة

حنان المطيشي

Advert Test

رواء مكة ، رواية للأديب المغربي حسن أوريد ، التي أحدثت ضجة إعلامية كبيرة بعد انتشار مقطع للمقرئ أبو زيد الإدريسي وهو يثني حسنا على هذه الرواية ، ويثني على صاحبها بشكل مشوق ،فتم تداول المقطع بشكل كبير عبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي مما أدى إلى انقسام قراء الرواية إلى قسمين ، وبدأت الرسائل تنهال على هاتفي في كل لحظة، كل يبدي برأيه؛ بين إعجاب بلغ حدا كبيراً (مثل قوله :رواية رائعة، مشوقة ، ماتعة ، مفيدة ..). وبين من ينتقدها ،و يتربص بالمؤلف الدكتور المؤرخ والمفكر حسن أوريد.

فبين تحليل فقهي ذهب إلى حد تصوير الرواية على أنها شيطان يدعو للشر، وتم تصوير صاحبها على أنه صاحب بدع ، وانهالت عليه الانتقادات من كل صوب وحدب ،وبين تحليل سياسي إيديولوجي صب انتقاداته على الشيخ المفكر المقرئ أبي زيد واعتبر عمله في الثناء على الرجل والتنويه برواته هذه دعاية سياسية لجلب الرجل لساحة الحزب الحاكم ….

على أي، كانت تصلني الرسائل وأنا غارقة في كتابة بحثي عن التراث الإسلامي الذي تعلمت منه عدم الانحياز إلى أي رأي قبل العودة إلى نصوص صاحبه؛ فالقراءة المباشرة وبدون واسطة هي ما يجعل من شخصيتك شخصية موضوعية ومتوازنة ، ولأن الوقت لم يكن مناسبا لأقرأ الرواية التي تجاوزت صفحاتها المئتين، كنت أجيب على الرسائل أني لا أستطيع الحكم على الرواية مالم أقرأها ،حتى لا أظلم الرجل .

وبعد الانتهاء من فترة الامتحانات، تناولتها قبل أي كتاب مبرمج في هذه العطلة ،وعكفت على قراءتها،والسفر عبر تضاريسها المشوقة حتى أنهيتها البارحة قرابة منتصف الليل ، وأغمضت عيني وأنا أتأمل أحداثها في مخيلتي ، متسائلة هل هي حقا رواية تعبر عن سيرة ذاتية فقط ؟ أم أن هذا الكتاب الذي أنهيته للتو هو كتاب فقيه متمكن من الاستشهاد بالآيات القرآنية؟ أم هو كتاب سيرة للرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته؟ أم هو كتاب شعر…؟ ولم لا يكون من جنس أدب الرحلة، ما دام وصفا لرحلة حج من رجل مسلم تائه كما هو واضح من احداثها وسياقها؟

قد أكون قرأت كتابا في التاريخ جال بأفكاري بين الأندلس والمغرب وباريس وأمريكا ؟أم كتاب سياسة يتحدث عن أحداث مهمة وقعت في المغرب، وكذا في الدول العربية ؟

أم كنت أقرأ كتاب تصوف بعبارات شيوخه ،ووصف أضرحة رجالاته وزواياهم ؟؟…

لقد اختلطت الأفكار في مخيلتي وأنا أستحضر شخصية الرجل ومكانته الاجتماعية ، وأعيش دور هذه الشخصية، كأن ذاتي تعايش كل تلك الأحداث ، وكأنني كنت رفيقة الرجل في طفولته وهو يلعب ويدرس مع أخيه، وهو يكبر لحظة بلحظة فيظهر إبداعه وتميزه.

إن لغة النص المتميزة استطاعت أن تؤثر على أفكاري بشكل غريب ،واستطاعت أن تأخذني إلى زمان الأحداث ومكانها ، كأنني قمت برحلة عبر الزمن ،فكانت روحي تراقب مسيرة الرجل ،وفكري يتخيل احداث كل ما يكتبه ، لم لا؟ والرجل أديب ومفكر من أبناء وطني ،أمازيغي الأصل ، وكم أعشق هذا الوطن بأبنائه عربا كانوا أو أمازيغا، فكلنا نتنفس نفس الهواء، ونشرب نفس الماء ،يوحدنا الدين والوطن والتاريخ المشترك.

إن الرجل أهدى لقرائه تجربة ليست عادية ،بل هي تجربة حياة فريدة ،عاشها داخل الوطن وخارجه ، من طفولة مفعمة بالهدوء والإيمان ،إلى شباب مليء بالعلم والبحث والدراسة، ثم التمرد على كل التقاليد ، والانغماس في تفاصيل حياة الغرب كسائر أقرانه ممن أتيح لهم الوصول إلى الغرب ،ثم الحنين والعودة إلى الذات الذي تحقق عبر أداء شعيرة إسلامية كانت السبب في استخراج الإيمان المغمور في ثنايا القلب… ان ” رواء مكة” عبارة عن قصة التحول الكبير في حياة الرجل ، ورغم أن الرحلة كانت في سنة 2007 ، وكتب أحداث الرواية بعد ثلاث سنوات من الحج ، إلا أن الرواية لم تخرج إلى عالم الوجود لتصلنا إلا سنة 2017.

وإن ما يثير انتباه القارئ في البداية هو استشهاد الرجل بالآيات القرآنية بكثرة… وبداية الرواية بآيات من سورة الزمر ، تحمل الأمل والتفاؤل فمهما أخطا الإنسان ، فإن رحمة الله واسعة ، ثم يبدأ الحديث بومضات من حياته؛ وذلك بالوقوف على محطات من حياته التي أغنت تكوينه وشخصيته ،مثل تعلمه على يد الأستاذين الكبيرين محمد با حنيني ، ومحمد شفيق داخل المدرسة المولوية. هذه المدرسة التي كانت تمزج بين الجانب الروحي الديني ، وبين إتقان اللغة العربية والفرنسية والعلوم الأخرى مع الانفتاح على ثقافات الآخر …

في هذا الفصل سيسرد الراوي الأحداث التي تدور في مخيلته، وهو متجه إلى مطار الدار البيضاء لأداء شعيرة الحج ،وقد رفض الذهاب للحج مرات عدة ،بل حتى هذه المرة لم يكن راغبا في الذهاب، وحدث أن ضاعت الأوراق وشعر براحة كبيرة ، لكن تم العثور عليها !!! وتذكر أن عليه نذرا بأداء فريضة الحج كان قد قطعه حين كان مريضا وعليه أن يؤديه ،مما جعله يذعن لأداء الفريضة …

ثم يسافر بنا إلى طفولته البريئة، حاكيا عن أخيه وقصته المؤلمة ، وبدأت الأفكار تنهال عليه متذكرا تارة الطفولة ، وتارة أخرى أحداث الوطن العربي، وتارة ثالثة رحلته إلى أمريكا في مهمة ديبلوماسية ، واعترافه بهزيمة نكراء أمامها بسبب متعها ولذاتها؛ مما يبرز أن الرجل صادق مع نفسه يعبر عن أخطائه وسلبياته بتلقائية وعفوية، لكنه تعلم فيها قيما إنسانية نبيلة أيضا … قبل أن يتم إعفاؤه من المنصب ويتم إبعاده عن السلطة باعتباره “أوفقير” المستقبل … ويشكر الصحافة التي احتوته واحتضنته…

وبعدها ينقلنا للحديث عن أحداث 1973وما تعرض له الأمازيغ من الضيق، وهو ما زال طفلا ، ويتذكر تجربته مع الإسلاميين وهو وال على جهة مكناس تافيلالت ويتساءل: هل إذا عاد به الزمن كان سيحدثهم بنفس الخطاب ؟!…

ولم ينس الكاتب أن يقدم اعتذارا لمليكة أوفقير، بسبب مقال له كان قاسيا في حقها ، ويطير بنا إلى العراق وأحداث 2003، ثم يسافر بنا إلى الأندلس وقد أحسن وصف أماكنها ،وأحسن الحوار مع القائمين عليها، ويعود بنا لمكناس ليحدثنا عن موقف له مع الساكنة لن ينساه.. ويتذكر بعدها جدته وطفولته وماكان لها من فضل عليه…

ثم بعد ذلك كله ينتقل بنا إلى ” ذبذبات ” وهو فصل جعله خاصا بوصف شعيرة الحج وأماكنها ،والأحداث التي وقعت فيها بتفاصيلها ، حيث يقول عن هذه الشعيرة “وأتممت الحج…كانت الكعبة المشرفة لقاء ،لقاء مع ذاتي …كان طوافي بحثا ،ولما فرغت سعيت ، وبعد السعي ،انزويت جانبا أنظر إلى ما حولي وأتملى حياتي …قد كان لحجي ألا يكون شعيرة ، وفجأة نعم ،كماء يتفجر من الأعماق تحول رواء انبجس من داخل نفسي …كنت أشرب من ماء زمزم من كوب من ورق مقوى وأنا أنظر إلى جموع الساعين يمشون في رفق ،ثم ما يلبثون أن يهرولوا ،هل لكل ما أرى من معنى ؟ وفجأة وقفت ،وانا أردد ، بلى … وهل الحياة إلا تلبية لنداء الله … له وحده لا شريك له …” ،

وبعدها فصل آخر سماه ” همزات ” وفي هذا الفصل يحدثنا عن تلك الأمور التي وقعت له و التي كانت تريد أن ترجعه عن طريقه الذي اختاره، والمتمثل في العودة إلى الإيمان ، منها لقاؤه بالشاب الأمازيغي، الذي يكره العرب والإسلام، ومنها الطفل الذي يدعوه للعودة إلى متعه ، ومنها الرجل الضخم الذي بارزه…

وينتقل بعد تلك الهمزات التي كانت بمثابة عقبات تخلص منها، إلى ” إشراقات ” وهي محطة استحضر فيها مقارنة بين ما تعلمه من أستاذه بالمدرسة المولوية، وبين ما تعلمه من جدته ، وانتصر في الأخير لجدته ولفطرتها السليمة، عاوده الحنين إلى دفئ حضنها وتمتمات دعواتها وأذكارها … ثم استحضاره لقصة إيزابيل إيبرهارت، هذه السيدة التي أتت من أرض غير إسلامية وتزوجت من مسلم بالمولد لكنها حملت شعلة الإيمان أكثر منه ، وينطبق عليها ما استشهد به في فصله الثاني من أن العجم المسلمين، بقدر بعدهم عن النص أي اللغة العربية ،بقدر قربهم من روح الإسلام، والعرب بقدر قربهم من النص بقدر بعدهم عن روح الإسلام …

وبعد سرده لمجموعة من رسائل إيزابيل، ينتقل لفصل آخر هو ” البشائر ” وهو يعبر عن مجموعة من القصص لأشخاص عادوا إلى نداء قلوبهم الصافي، واعتنقوا الإسلام كدين سماوي خالد نقي يدعو للرحمة والمحبة ..ثم يختم قصته ليؤكد أن الحج كان لقاءا مع ذاته ومع الجماعة ،ثم كانت الهجرة حيث هجر السلطة ومنصبه للبحث عن طمأنينة النفس ، للبحث عن السلام والإيمان ،للتصالح مع الذات ، للحنين إلى الماضي ، وكان الحنين أيضا إلى مكة ،حيث سيعطي لبعض الشخوص التاريخية أبعادا حضارية وقيمية ، وسيبعثها من جديد كعمار وسلمان وبلال ،وسيعبر عن المحبة التي تملأ قلبه للرسول صلى الله عليه وسلم…

هذه هي القصة باختصار فيها أجزاء من حياة الرجل في الطفولة، وفي المدرسة المولوية، وتجربته مع السلطة، ثم تجربة حجه، التي كانت عودة للذات المؤمنة ، وهي عبارة عن رحلة يطمح إليها كل مسلم ابتعد عن الإيمان لأسباب مختلفة ،فكلنا بحاجة إلى تلك العودة إلى التصالح مع الذات ، إلى نقاء أرواحنا، وصفاء سريرتنا ، إلى صدق أقوالها وأفعالنا ، إلى تجربة صوفية ليست بالضرورة بانتماء معين وطقوس محددة ، وإنما إلى ما تعنيه التجربة من الإقبال على الله بصدق والوصول إلى مرتبة الاحسان …

نحن بحاجة إلى الهجرة ولكن ليس هجرة الولايات العامة ومناصب السلطة كما فعل بطل الرواية؛ فإذا هجر كل منا موقع مسؤولية أنيطت به، فمن سيحمل مسؤولية هذا الوطن ، نحن بحاجة إلى هجرة الأنانية.. هجرة المصالح الشخصية .. إلى حب هذا الوطن ومقوماته التاريخية والدينية.. نحن بحاجة إلى حب الخير لهذا الوطن والتفاني في خدمته بإخلاص وتفان كل من موقعه …

ثم من الأمور التي أثارت انتباهي ولعلني أجد نفسي أحمل نفس التساؤلات التي طرحها الأستاذ حسن عن شعيرة الحج وما يقع فيها ، لعلني أتساءل أيضا ألم يحن لتلك الشعيرة أن تؤدي دورها الذي أراده الله عز وجل منها وهي الهجرة إلى الله من كل الأخطاء ،و تطبيق معنى الأخوة الإسلامية بدل اعتبارها فسحة وسياحة وتجارة؟ …في نهاية هذه الأسطر ،أود أن أقول إن السيد حسن أوريد ،سواء كان ناطقا رسميا باسم القصر ، أو كان مؤرخا ، أو كان واليا ، أو كان أستاذا للعلوم السياسية ،سواء كان كاتبا ومفكرا وأديبا ،فإن الجرأة التي كتب بها سواء من حيث اعترافه بأخطائه، أو شجاعته على هجرة بعض التصرفات كشرب الخمر ، أو مساهمته في توضيح بعض القضايا السياسية والاجتماعية والدينية …فإن ذلك كله صب في خدمة الدعوة الإسلامية، لإعادة النظر من جديد في أقوالنا وأفعالنا، باعتبارنا مسلمين نحمل هم هذا الدين وهم الدعوة إليه ، وسيبقى الرجل في نظري بأي صفة كان يحمل، هو من الرجال الذين ينبغي مساندتهم لأن بمثله نعيد تشكيل عقولنا ، فتكون الهجرة التي نتمناها، وهي هجرة فكرية، لعقل المسلم الذي طال نومه قرونا عديدة ،ونأمل أن يهجر هذا النوم الذي لم يزدنا إلا انحطاطا ونكوصا ، فنحيا حياة ملؤها العمل والإخاء …

مملكتنا.م.ش.س

Advert test
2019-07-05 2019-07-05
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

مملكتنا
%d مدونون معجبون بهذه: