Advert Test
MAROC AUTO CAR

سفيان .. “ماذا عن تعريب العربية” !

Last Update : الجمعة 17 يوليوز 2020 - 3:41 مساءً
Advert test

سفيان .. “ماذا عن تعريب العربية” !

سفيان شكيح

Advert Test

يمكن في بعض الأحيان أن يتحول أديب مرموق إلى ديماغوجي مرموق دون ان يخطط لذلك أو يتقصده. يكفيه فقط أن يكرر بعض الأفكار المتسرعة الملتقطة من هنا وهناك، ويبني عليها توليفة متماسكة من التأملات، دون أن يخضعها للمساءلة. الديماغوجية في هذه الحالة هي هذا التسويغ للأفكار الجاهزة للوصول إلى نتائج تبدو في منطقها الظاهري محمودة، فيما هي غارقة في المسبقات والقطعيات.

هكذا لم يكلف الطاهر بن جلون نفسه عناء كثيرا، وهو يلح على ترك الدارجة في حالها حيث هي، خارج المدرسة كما كانت دوما، معنبرا الدعوة إلى إقحامها في المدرسة مجرد ديماغوجية؛ ويدعو إلى صرف الجهد عوض ذلك نحو العناية بالعربية “الكلاسيكية” لتقريبها من عموم الناس الذين هم بعيدون عنها، داعيا اللسانيين إلى التعبئة من أجل هذا التجديد التبسيطي؛ دون أن يفوته لمز الكتاب والمثقفين العرب لانفصالهم وبعدهم عن العامة باستعمالهم لهذه العربية العتيقة غير المجدَّدَة؛ غامزا بشكل عابر إلى هذه العربية الكلاسيكية الأدبية التي تربطنا بالجاحظ وابن عربي، فيما تعجز الدارجة أحيانا عن تسهيل تواصلنا مع جارنا التونسي أو المصري.

لا اعتراض لدي على ما قاله الأديب الأريب حول الدارجة، ولا على الوظائف التواصلية للعربية “الكلاسيكية”. يبدأ اعتراضي على منطقه من استعماله لعبارة “العربية الكلاسيكية” دون تريث ولا مساءلة. هذه العبارة مستعملة بكثرة لدى المستشرقين الفرنسيين (ولا أعني بالمستشرقين هنا كبار الباحثين الأفذاذ الذين أسسوا الدراسات العربية والمشرقية عموما في المعاهد الفرنسية المتخصصة، بل أعني أساسا خبراء البلاتوهات التلفزية الذين يعلقون لاهثين على الأحداث من ذلك المنظور الفرنسي الفج الذي لم يستجب لدعوات ديريدا ولا ادوارد سعيد ولا نعام تشومسكي ولا عبد الكبير الخطيبي، في نقد الارث الاستشراقي والاستعماري).

والإصرار على استعمال هذه العبارة يشير إلى الإصرار على الجهل بواقع اللغة العربية وبتاريخ تشكلها أيضا، ويركن إلى مماثلة سهلة لها مع اللاتينية، مستدعيا في اللحظة نفسها فكرة انتماء هذه اللغة إلى القرون الوسطى وانقطاعها عن العصر وتطوره، وضرورة الاقتداء بالنموذج التاريخي الغربي في تعليب اللاتينية وإدخالها إلى المتحف وجعلها مادة للمتخصصين المتناقصين يوما عن يوم.

طبعا، كلنا يعرف أن التاريخ لا يجري بأهواء الناس وأمانييهم وحدها، وإلا لانعدم. وترجمة هذه العبارة، بلغة مناهج علوم التاريخ، هي أن دارس الوقائع التاريخية والمواد الدالة عليها، لا تتم انطلاقا مما كان ينبغي ان يكون، بل مما كان وما هو كائن. والتاريخاني الراسخ هو الذي يحاول أن يفهم الظواهر التاريخية كما هي متحصلة، وليس بناء على الإرادات والنوايا الذاتية. لماذا لم تدخل العربية “الكلاسيكية” إلى المتحف، “أسوة” بنظيرتها اللاتينية؟ لماذا لم تتفرع عنها مصرية ويمنية وحجازية ومغربية وسودانية…؟

صحيح أن العربية المحكية أو الدارجة انفصلت عنها المالطية مثلا واتخذت مسارا آخر.. وصحيح أن أجزاء من السواحلية والملغاشية تعود إلى العربية الدارجة لمناطق شرق أفريقيا انفصلت عنها كليا، كما انفصلت عدد من كلمات الدارجة الأندلسية عن العربية والتحقت بالقشتالية وغيرها من اللغات الإيبيرية. هذه ظواهر في التاريخ اللغوي يعود إلى مؤرخي اللغة أن يعتنوا بدراستها واستخلاص ما يمكن ترتيبها عليها من فرضيات في الجواب على سؤال لماذا لم تصر العربية “الكلاسيكية” إلى المتحف.

المستشرقون الفرنسيون المذكورون أعلاه ومن يستعير منهم هذا التعبير المتسرع من أدبائنا المرتبطين باللغة الفرنسية، لا يبدو أنهم معنيون بالتأكد من صلاحية هذه العبارة وقدرتها على التعبير عن واقع العربية اليوم. فهم لا يتساءلون هل هي فعلا عربية القرون الوسطى؟ (مثل صينية ما قبل التاريخ التي يفترض أن الصينيين ما زالوا يعتمدونها كلغة رسمية في بلدهم، ذي الألف لغة كما يقال). يمكن أن نعزو هذا التسرع إلى انعدام الألفة مع هذه اللغة بما يكفي لإدراك الفروق الشاسعة بين نص كتبه ابن المقفع أو الحسن اليوسي ونص كتبه نجيب محفوظ أو محمد شكري. ربما لم يتدربوا على قراءة هذه اللغة بالقدر الذي يسمح لهم أن يفرقوا بين أسلوب ابن رشد أو الفارابي أو متى بن يونس، وأسلوب محمد عابد الجابري أو عبد الله العروي. ربما يعسر عليهم أن يميزوا بين اسلوب محمد الأشعري أو حسنين هيكل في الصحافة وأسلوب أحمد فارس الشدياق أو أحمد أمين أو أحمد حسن الزيات، الذين لا تعود كتابات أقدمهم ذغلى أكثر من نهاية القرن 19.

الادعاء أن العربية المعيارية المستعملة حاليا هي نفسها عربية العصور الوسطى فيه اختزال وجهل كثير. أما الادعاء بأن العربية لا يفهمها إلا النخبة، ففيه جهل حقيقي ومصادرة على هذا الجهل بالمجتمع ومتغيراته. منذ حرب “الهند-الصينية” في الستينيات، وقبلها بكثير، كانت شرائح واسعة من “العامة” مشدودة إلى نشرات الأخبار من صوت العرب في القاهرة أو الأصوات المنبعثة من أثير هيأة الإذاعة البريطانية، والإذاعة الوطنية من الرباط مع الراحل الطاهر بن العربي ومحمد بنددوش وبديعة ريان، يسمعون نشرات الأخبار بألفة كبيرة مع التعابير والصيغ والأسماء والأمكنة، ونادرا ما يسأل مستمع مستمعا عن معنى هذه العبارة أو تلك. قد تلتبس معاني بعض الكلمات في الأذهان لكن الجميع مدرب على استخلاص المعنى من السياق العام. الأذن كانت لها ألفة مع هذا النسق اللغوي، ولم يكن أحد يعبر عن الشعور بالغربة في حضرته. كان يسمع ويتداول في المسجد وفي المناسبات العائلية في البيوت كلما تناول الكلمة فقيه لرفع أكف الضراعة..

القول إن هناك انقطاعا مزعوما بين اللغة والعامة، اليوم بعد أكثر من ستين سنة من عمل المدرسة المغربية، قول ملغوم، لأن “العامة” التي يشار إليها هنا دون تمحيص ولا تريث تضم أعدادا كبيرة من المواطنين الذين مروا من أقسام المدرسة وتعلموا هذا النسق، ويقرأون الصحف ويستمعون إلى القنوات الفضائية كما كان أجدادهم يلتقطون أثير البيبيسي قديما..

هذه التعميمات التي تصادر على مطلوب كما يقول المناطقة، تؤدي إلى تشويه إدراك الواقع في أذهان من يستسلمون لها، والمسارعة بصياغة مطالب لا تستقيم من الوجهة العلمية، تحت عناوين من قبيل: “تأهيل العربية”، “تبسيط العربية” لتصير في متناول الجميع، “دعوة اللسانيين إلى العمل على جسر الهوة بين لغة العامة ولغة “الخاصة”… إلى غير ذلك من العبارات التي ظاهرها محمود.

لا يُعنَى أحد من الغيورين على تقريب العربية من العامة، باقتراح صيغة مماثلة لتقريب الفرنسية منهم مثلا. لماذا لا ندعو اللسانيين إلى الانكباب على تخليص الفرنسية من كل مظاهر الصعوبة التي تعوق فهم العامة عندنا لها؟ طبعا هذا مطلب عبثي واضح. لكنني سقته هنا لأبين أمرين: أولا، إن الصعوبة المذكورة ليس المقصود بها العامة بل اهل القلم أنفسهم من الذين يستصعبون العربية المعيارية لأنهم لم يتعلموها بما يكفي، وبما يكافئ إتقانهم للغة الفرنسية؛ وثانيا، لأكشف النزعة المركزية الكامنة وراء هذا المنظور والتي لا ينتبه إليها أصحابها أنفسهم، حين ينساقون وراء مثل هذه المصادرات. وهي نزعة تتجاوز المركزية الثقافية (الموضوعية) إلى مركزية ذاتية، تقيس وقائع العالم على مشاكلهم الخاصة.

مملكتنا.م.ش.س

Advert test
2020-07-17 2020-07-17
أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Type a small note about the comments posted on your site (you can hide this note from comments settings)

Hs