جدل حول سلامة الهندسة الوراثية ونجاحها في تحقيق الأمن الغذائي

  • التحولات التي يشهدها المناخ، من نقص في المياه والموارد وحدة الاحتباس الحراري، دفعت بالكثير من العلماء إلى اعتبار الهندسة الوراثية طوق نجاة لتفادي نقص الغذاء والمجاعات التي يُخشى حدوثها خلال العقود القليلة القادمة. ولا يزال موضوع اعتماد التعديل الجيني بشكل واسع بين أخذ ورد لتبيان مدى سلامة الأغذية المعدلة على صحة الإنسان والتوازن البيئي.

بيرث (أستراليا)- الأمر أجمل من أن يكون حقيقة، نباتات تحتاج ماء أقل ولا تستطيع الحشائش الطفيلية أن تنال منها ومحصولها أكثر وثمارها أسرع نضجا، كل ذلك بلا سلبيات حقيقية. هذه هي الوعود التي يقدمها أنصار الهندسة الوراثية خاصة في ظل تزايد التقنيات الفعالة الجديدة لهذه الهندسة. يرى باحثان أستراليان في دراستهما التي نشرت في مجلة “ساينس” العلمية المتخصصة أن هذه التقنيات الجديدة يمكن أن تساعد في مواجهة نقص الغذاء.

ولكن الباحثين سرعان ما أبديا تحفظهما بشأن ضرورة أن تكون هذه التقنيات الجديدة نسبية وعلى رأسها تقنية المقص الجيني كريسبر كاس 9 (التكرارات العنقودية المتناوبة منتظمة التباعد) التي ينبغي أن تكون أكثر دقة مما هي عليه الآن، بالإضافة إلى قبولها من ناحية المشرعين والشركات المصنعة والمستهلكين. تشير بعض التقديرات إلى أن عدد سكان الأرض في الوقت الحالي يزيد عن 7.4 مليار إنسان.

وتتوقع الأمم المتحدة أن يرتفع هذا العدد إلى 9.7 مليار نسمة عام 2050 وأن يصل إلى 11.2 مليار إنسان عام 2100، “وفي الوقت ذاته تزيد ظاهرة التغير المناخي من خطر المجاعات والآفات التي تصيب المجال الزراعي” حسب ما أوضح أرمين شيبين وديفيد ادواردز من جامعة ولاية أستراليا الغربية في مدينة بيرث، عاصمة الولاية. وأضاف الباحثان “لذلك فإن هناك حاجة ملحة لمحاصيل محسنة وراثيا”.

مؤيـــــدو الهندسة الوراثية يرون أنها تساهم في توفير محاصيل أكثر في حين يرى معارضوها أن لها مخاطر مجهولة

ويضم مارتن كفايم، أستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة غوتنغن الألمانية، صوته إلى صوت الباحثين الأستراليين قائلا إنه يعتقد أن هناك حاجة إلى تقنيات جديدة للهندسة الوراثية حتى يستطيع العالم مستقبلا توفير ما يكفيه من الغذاء، مضيفا “أنا على قناعة بأننا بحاجة إلى تقنيات استنبات جديدة من أجل مواجهة التحديات المستقبلية”. غير أن كفايم أوضح في الوقت ذاته أن هذه التقنيات ليست الوصفة السحرية الوحيدة ضد الجوع، مشيرا إلى ضرورة مواجهة الفقر والظلم الاجتماعي، وفتح الأسواق العالمية أمام المزارعين المظلومين.

وأوضح الباحثان شيبين وادواردز أن هذه التقنيات الجديدة التي تختصر تحت تعبير “التحرير الجيني” لها مميزات حاسمة مقارنة بالطرق التقليدية للاستنبات أو التقنيات السابقة للهندسة الوراثية، وقالا إن هذه التقنيات الجديدة أنسب وأبسط استخداما بالإضافة إلى إمكانية استخدامها في تعديل العديد من الجينات مرة واحدة.

تعتبر تقنية المقص الجيني كريسبر كاس 9 التي اكتشفت قبل نحو 5 سنوات بمثابة سلاح سحري للهندسة الوراثية حيث يستطيع الباحثون من خلالها إبطال جينات بعينها وتبديل أجزاء مختلة من الحمض النووي أو إضافة تسلسلات جينية أو تعديلها، ما يؤدي إلى انتهاء سلالات طويلة نمت على مدى سنوات وربما عقود.

وهناك ميزة أخرى لهذه التقنيات ألا وهي إمكانية حدوث التعديلات التي تتم في المختبر بالطريقة نفسها في الطبيعة أيضا بحيث لا يمكن التمييز بين النباتات التي يتم تعديلها جينيا بهذه التقنيات الجديدة عن النباتات الطبيعية، وذلك خلافا للطرق السابقة للهندسة الوراثية.

وذكر الباحثان شيبين وادواردز بضعة أمثلة على النباتات التي تم تحسينها باستخدام مقص كريسبر كاس 9 وقالا إن باحثين طوروا على سبيل المثال سلالات من الأرز أكثر مقاومة ضد الممْرِضات الجرثومية وطوروا سلالة جديدة من نبات الذرة أكثر قدرة على تحمل نقص المياه وسلالة طماطم تحتاج وقتا أقل للنضج. غير أن الباحثين الأستراليين أكدا في الوقت ذاته أنه لم تتم زراعة أي من هذه النباتات بشكل تجاري حتى الآن.

التقنيـــــــــــات الجديدة التي تختصر تحت تعبير “التحرير الجيني” لها مميزات حاسمة مقارنة بالطرق التقليدية للاستنبات أو التقنيات السابقة للهندسة الوراثيــــــــة

إلّا أن النباتات التي عدلت وراثيا باستخدام تقنيات التحرير الجيني لم تتجاوز حتى الآن كونها أمرا خاصا بالمستقبل؛ إذ لا تتمتع بحضور ظاهر في السوق العالمية للبذور، “ولكن هناك منتجات قليلة جدا من هذه البذور في الولايات المتحدة” حسب كفايم. ولا توجد مثل هذه النباتات في الحقول الأوروبية حتى الآن.

ويرى الباحثان الأستراليان أن استخدام هذه التقنية الجديدة للهندسة الوراثية مستقبلا بشكل موسع لن يتوقف فقط على النجاح الذي ستحققه الدراسات في هذا المجال بل أيضا على الوضع القانوني لها وما إذا كانت هذه النباتات ستصنف على أنها كائنات معدلة وراثيا أم لا. في الكثير من الحالات لا يتم إدخال جينات وراثية غريبة إلى هذه النباتات مما يجعلها لا تتميز عن النباتات التقليدية.

وأوضح كفايم أن “هذا الأمر معروض منذ فترة طويلة على المفوضية الأوروبية” وأنه إذا تم إدراج النباتات التي تعدل باستخدام المقص الجيني كريسبر كاس في فئة الكائنات المعدلة وراثيا “فلن تكون لها فرصة في أوروبا على المدى المتوسط”.

ستضطر الشركات التي تعتزم طرح هذه النباتات المعدلة في أسواق دول الاتحاد الأوروبي لخوض إجراءات إدارية وقانونية طويلة ومعقدة ربما تستمر عدة سنوات. ويسمح الاتحاد الأوروبي بزراعة نذر يسير من هذه النباتات حتى الآن.

وتثير قضية النباتات المعدلة وراثيا الكثير من التساؤلات والتحفظات منذ ظهورها على الساحة، حيث يرى مؤيدو تقنيات الهندسة الوراثية أنها تساهم في توفير محاصيل أكثر في حين يرى معارضوها أنها تنطوي على مخاطر مجهولة ولا تصب سوى في مصلحة عدد قليل من الشركات العملاقة. لذلك فإن قضية مَا إذا كانت هذه النباتات تندرج تحت مسمى الكائنات المعدلة وراثيا -ما يصعّب رواجها في الأسواق- تثير نقاشا حادّا أيضا.

ويرى الخبير الألماني للإرشاد الزراعي مارتن كفايم أن هذه التقنية تتمتع بمميزات بشكل رئيسي وأنها قليلة المخاطر نسبيا. ولكن ديرك تسيمرمان، الخبير في منظمة السلام الأخضر (غرين بيس)، يختلف في ذلك تماما مع كفايم؛ إذ يقول “ونحن نعارض في الوقت الحالي إطلاق مثل هذه الكائنات”.

مملكتنا.م..ش.س/عرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر الأخبار

الدار البيضاء

11°C
Clear sky
الأحد
23°C
15°C
الإثنين
22°C
17°C
الثلاثاء
24°C
18°C
الأربعاء
26°C
16°C
الخميس
26°C
17°C
الجمعة
24°C
17°C
السبت
27°C
16°C
%d مدونون معجبون بهذه: