ضريح مولاي إبراهيم … بين العلم وسلطة الخرافة

آخر تحديث : الثلاثاء 14 أغسطس 2018 - 5:32 مساءً
Advert test

ضريح مولاي إبراهيم … بين العلم وسلطة الخرافة

بقلم الأستاذة إيمان طائــر 

يقع ضريح الولي الصالح مولاي إبراهيم بمنطقة جبلية بإحدى مرتفعات جبال الأطلس الكبير، هذا الضريح الذي يلقى شهرة كبيرة وإقبالا من طرف زوار تختلف توجهاتهم وأسباب زيارتهم.

محيط هذا الضريح أو ما يعرف بجبل كيك نواحي مدينة مراكش زاخر بمناظر خلابة وهدوء لا مثيل له. خلال زيارتي للمكان أحسست برغبة في التعرف على الجانب الآخر من المنطقة جانب الضريح والطقوس المتعلقة به، كان أول ما لفت انتباهي هو الأشياء الغريبة التي تباع بجانب الضريح وفي الطريق المؤدية له.

الشمع هو المنتج الأول في العرض والطلب, وكذا أغطية قماشية للضريح ومعدات الاستحمام، كما أثار انتباهي نساء يستدرجن المارة للنقش بالحناء والتبرك بها. عند الوصول لباب الضريح, الذي لا يكاد باديا من كثرة الباعة, تجد عددا كبيرا من المتسولين.  كان تبادل الشتائم بينهم بطريقة مستفزة ثاني ملاحظة, مع العلم أن هناك من يتلو كلام الله في مكان ما داخل الضريح ويصل صوته إلى مكان جلوسهم.

صعدت الطابق الأول هناك حيث الغرفة الرئيسية, تقبع مجموعة من الشيوخ والأطفال منهم من يقرأ القرآن، بالجانب الأيسر توجد غرفة أخرى زلقة الأرضية ببقايا الشموع المحترقة وبعض المعادن الذائبة, وقد جعلني شكلها ذاك أتراجع عن الدخول.

خرجت من الضريح على أمل أن أجد من يجيبني عن تساؤلات حول الضريح والمدفون فيه و الناس القادمين لزيارته من أماكن مختلفة, كانت أجوبة سطحية جدا في كل مرة ،كأن الكل مرتاب من قول شيئا عن الولي إما خوفا من سخطه أو من بور التجارة، إلى أن اهتديت لتاجر من ساكنة المنطقة, سألته عن قصة هذا الضريح وسبب حج الناس إليه بشكل عام؛ فكان جوابه رتيبا ككل الأجوبة السابقة حيث قال: “إن مولاي إبراهيم ولي صالح لذلك يزوره الناس” .

فقط هذا ما قاله! بعد أن تبادلنا الكلام قليلا عن بركة الولي و استأنس لحديثي قال لي بصوت خافت:” لقد كان الرجل عالِما في حياته,لكن مهما كانت بركته فقد ماتت بموته”؛ هنا تأكدت أن لهذا الرجل الكثير ليقوله، فقد ذكر أيضا أن هناك مجموعة من الأمور قد استحدثت في طقوس الزيارة و لم تكن سابقا كزيارة محكمة شمهروش ومقام لالة مليكة ولالة ميرا وغيرهم كما سيأتي الذكر في نهاية المقال .

فالزيارة سابقا كما ذكر كانت تقتصر على الذهاب إلى الضريح والدعاء للولي فقط وذلك باعتباره عالما متصوفا عرف  عنه استضافته لطالبي العلم من كل مكان، بعد موته اعتاد أهل القرية على الاحتفاظ بعرف الاستضافة فيقام موسم يحضره الناس يتدارسون القرآن ويصعدون الخلوة التي تعتبر مكان تعبد مولاي إبراهيم الأيام ذات العدد، أما الآن وحسب ما ذكر فقد أصبح الزوار يترددون على المكان في أوقات مختلفة من السنة؛ عند اقتراب شهر رمضان وكذلك أيام قبل ذكرى المولد النبوي وأيام بعده .

وأضاف المصدر أن فترة موسم الزيارة تجعل المكان  أشبه بمجزرة كبيرة,حيث يأتي الناس بالقرابين التي تذبح بطرق غريبة، مشيرا إلى فيديو كان قد انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي يوثق لذلك. لقد تم ربط زيارة الضريح بزيارة مقامات أخرى كمقام سيدي ميمون ولالة عائشة ولالة مليكة وغيرهم، فيقنع القائمون على هذه الأمور الزائر بأن قضاء الحوائج لا يتم إلا  بالقيام بجملة من الأمور والزيارات المتصلة فيما بينها بطقوس معينة.

تمثل الفئة القادمة بغرض التبرك بهذا الولي الصالح غالبية الزوار؛وينعش هؤلاء إلى حد كبير التجارة بالمكان، فالزائر بغرض التبرك في غالب الحالات يقدم الشمع أو غطاء للضريح باللون الأخضر أو هما معا بالإضافة إلى قنينة ماء الزهر والتصدق بشيء من المال  هناك بباب الضريح، وكذلك للقائمين عليه.

كما توجد فئة أخرى من الزوار وهي التي تأتي بغرض القيام بأعمال الشعوذة والسحر و طرد النحس وتحقيق مطالب الحياة, وغيرها من الأمور التي يقنعهم بها المشعوذون -المستفيدون بالدرجة الأولى من هذا الوضع عبر الترويج لأعمالهم- , فالقادم لهذا الغرض لا يتوقف عند تقديم الشمع للضريح بل يتجاوز ذلك بوضع الأقفال وذبح القرابين للتقرب سواء من الولي أو غيره .

كما أن القادمين لذات الغاية لا يكتفون بزيارة مولاي إبراهيم فقط بل يقيمون مدة لا تقل عن ثلاثة أيام، باعتبارهم في ضيافة الولي المحددة ضيافته  في ثلاثة أيام كما تنص الأعراف، ويستحسن أن يصادف أول هذه الأيام يوم خميس ؛ لأن أول مرحلة يجب القيام بها بعد زيارة الضريح والتصدق هي إشعال الشمع بالضريح مع مغرب شمس يوم الخميس، ثم في اليوم التالي وجب النزول إلى مكان يسمى الرحا أو بالأحرى رحا مولاي إبراهيم -لأن هناك آخر لشمهروش سنتحدث عنه فيما سيأتي من المقال ـ ، وهي مكان قريب من الضريح حيث يستحم الزائر ويرمي كل مستلزمات استحمامه من مشط ومرآة هناك, ثم ينتهي اليوم الثاني بعد إحساس الزائر بأنه مولود جديد حسب زعمهم.

أما اليوم الثالث فهو عادة ما يكون خاصا بزيارة شمهروش وهو مقام ملك الجن أو قاضي الجن كما يطلق عليه الساكنة المحلية. يوجد هذا المقام على بعد ساعة ونصف إلى ساعتين من قرية إمليل، عند وصول الزائر إلى محكمة شمهروش يقدم الشمع والسكر و أغطية كالتي سبق تقديمها عند ضريح مولاي إبراهيم، عند اقتراب مغرب هذا اليوم يشعل الزائر شمعا عند المدخل هنا ينتهي عمل اليوم الثالث .

وفي اليوم الموالي  يتم الاستعداد لزيارات أخرى أولا باقتناء الشمع مرة أخرى، ولكن هذه المرة تحدد نية الزيارة باختيار ألوان الشمع،إضافة إلى ذلك الحنة والبخور، التي يذهب بها الزائر إلى مقام ميمون لغمامي ومقام الباشا حمو ومقام الكرنة حيث يضع شمعة وعود بخور عند كل مقام . بعد الانتهاء من  زيارة هذه المقامات الثلاث يذهب إلى مقام لالة مليكة ومقام لالة ميرا وأخيرا مقام لالة عائشة حيث يتم اعادة نفس طقوس زيارة المقامات السابقة .

في اليوم الخامس يعود الزائر إلى محكمة شمهروش وبالضبط رحا شمهروش حيث يستحم بنفس طريقة الاستحمام في رحا مولاي إبراهيم وترمى مستلزمات الاستحمام ويعود الزائر أدراجه بأمل أن يتحقق مراده.

ختاما أريد أن أشير إلى تساؤل مهم عن العلاقة التي تربط هذه الطقوس ببعضها؟ وكيف يقوم بها الناس باستسلام وتصديق جازم لها؟ حتى وإن تم تقديم أجوبة , ففكرة أن إنسانا ميزه الله بملكة العقل ينفق المال والمجهود للحصول على أمر من جهة ليست لها سلطة في العطاء أو المنع يجعل تلك الاجوبة غير مقنعة…

تكاد لا تخلو المجتمعات من العبودية الطوعية؛ لأن التربية المجتمعية والأسرية تجعل الفرد يختار الاحتفاظ بالأفكار التي تكرس هذه العبودية، حيث أن وجودها من عدمه يؤثر على كون هذا الفرد منتميا لذات المجتمع أو العكس، فتظهر الصورة للرائي كإنسجام بين الأفراد ولكنها في الأصل تنويم مغناطيسي جماعي يجعلك ترى الخرافة علما ذا أصول.

مملكتنـــــــــا.م.ش.س

Advert test
2018-08-14 2018-08-14
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

مملكتنا
%d مدونون معجبون بهذه: