الجماني شخصية سياسية ارتبطت اسمها بالنكت والمستملحات في المغرب

آخر تحديث : الأربعاء 7 نوفمبر 2018 - 11:53 صباحًا
Advert test

الجماني شخصية سياسية ارتبطت اسمها بالنكت والمستملحات في المغرب

محمد الخطابي

في كل مناطق العالم تحيك الشعوب طرائف ونكتا حول سياسييها أو باسمهم. وخطري ولد سعيد الجماني هو أكثر شخصية سياسية ارتبطت اسمها بالنكت والمستملحات في المغرب، حتى صار ظاهرة لا نظير لها في المخلية الشعبية المغربية.

بيد أنه خلف شخصية الرجل الصحراوي البسيط، وهي الصورة التي رسمها المغاربة لخطري في أذهانهم، ينتصب شخص آخر: رجل في منتهى الذكاء، يعرف كيف يلعب على حبل السياسة، وكيف يصوغ تحالفاته أمام خصوم يفوقونه حجما وقوة، وكيف ينتقل من معسكر إلى آخر في اللحظة المناسبة، مدافعا عن الجهة التي يمثلها. إليكم الوجه الآخر لداهية الصحراء، خطري ولد سعيد الجماني.

هذا الشيخ من تلك القبيلة

ينتمي خطري ولد سعيد الجماني إلى قبيلة الركيبات إحدى أقوى قبائل الصحراء. جمعت هذه القبيلة كل مصادر القوة بين يديها: الصلاح، إذ تنحدر من مؤسسها الشيخ أحمد الركيبي الذي عاش ودفن في منطقة الساقية الحمراء في القرن السابع عشر، والشرف حيث تنسب الركيبات نفسها إلى عبد السلام بن مشيش من سلالة المولى إدريس.

لكن العامل الحاسم في قوة الركيبات، أساسا، هو قوتها الديمغرافية الكبيرة، فهي أكبر تجمع قبلي بالصحراء، بشكل يجعها أقرب إلى كونفدرالية قبلية من أن تكون قبيلة واحدة. يقول رحال بوبريك، مدير مركز الدراسات الصحراوية في الرباط: ” في الواقع ما جعل الركيبات قوية في ذلك الوقت هو وزنها الديمغرافي وطابع الممارسة الحربية التي راكمتها في أواخر القرن التاسع عشر وجعلتها تكتسح مجالا كبيرا.

أما الشرف فتشترك فيه مع قبائل أخرى دون أن تمتلك نفس القوة. الشرف ينفع فقط إذا كان حامله قويا. في الصحراء، العامل الأساسي وراء مكانة أية قبيلة هو ما يعبر عنه بمصطلح “الشوكة” أي القوة الديمغرافية للقبيلة وعدد أفرادها الحاملين للسلاح”. وبما أن الركيبات كانت قبيلة محاربة، فقد مكنها وزنها الديمغرافي الكبير من تملك قوة عسكرية لا تضاهى.

يمتد النفوذ الترابي للركيبات على مساحة شاسعة تفوق بكثير ما كان يعرف خلال الحقبة الاستعمارية بـ”الصحراء الإسبانية”، إذ يشمل “تراب الركيبات” مناطق شاسعة في تندوف وموريتانيا والساقية الحمراء.

وفي خلال الفترة الاستعمارية وجدت هذه القبيلة نفسها مقسمة على ثلاث دول: المغرب، الجزائر، وموريتانيا، وخاضعة لنظامين استعماريين مختلفين: فرنسي وإسباني. واليوم توجد قيادات ركيبية في كل من المغرب، على غرار خليهن ولد الرشيد، محمد الشيخ بيد الله، وعمر الحضرمي، وفي جبهة البوليساريو (مؤسسها الراحل الوالي مصطفى السيد، وزعيمها الحالي محمد عبد العزيز)، وفي موريتانيا حيث يحتل أفراد من الركيبات أماكن مهمة في الجيش وقطاع الأعمال.

ينتمي خطري ولد سعيد الجماني إلى قبيلة البيهات المستقرة في إقليم الساقية الحمراء، وهي أقوى فصائل الركيبات. وكانت البيهات تخضع للإدارة الإسبانية، بحكم استقرارها في حوض الساقية الحمراء، فيما خضع أقرب أبناء عمومتها (داود وابراهيم، والفقرا)، المستقرون في تندوف، للإدارة الفرنسية. وهو ما ما كان يسمح لها أحيانا باللعب على حبل التنافس بين القوتين الاستعماريتين.

في هذه الظروف، ولد خطري سنة 1915 بمنطقة الأخصاص بين مدينتي تزنيت وكلميم، وهو الابن الثاني عشر لبايه، الابن الأكبر للشيخ أحمد الركيبي.

لم يكن طريق خطري إلى مشيخة البيهات سالكا بسهولة، فأبوه سعيد لم يكن إلا متنافسا، ضمن آخرين، على كرسي المشيخة. وكان أقوى منافسيه يسمى حنيني ولد اللود.

بعد وفاة الأخير سنة 1947 بدا وكأن “الجماعة” تريد سحب البساط من تحت أقدام سعيد ولد الجماني، فعينت صالح ولد حنيني، ابن عدوه اللدود، في منصب المشيخة العامة للقبيلة.

كان رد سعيد جذريا ضد شيوخ القبيلة وضد الإدارة الإسبانية. وفقا لأولفييه فيرنيو، “بعث سعيد ولده خطري في مهمة إلى تيزنيت وكلميم ليقول للفرنسيين إن والده وأهله يتمنون، كباقي الرقيبات، أن يصبحوا تابعين لمركز الجزائر”. كانت هذه هي طريقته لخلق التوازن في وجه شيوخ القبيلة والإدارة الإسبانية.

سنين قليلة بعد ذلك، سنجد خطري وفيا لنهج والده في اللعب على حبل التوازنات بين المغرب وفرنسا وإسبانيا. توفي سعيد ولد الجماني سنة 1951، دون أن تصفو له المشيخة، فكان على خطري، وهو ابن 36 سنة، أن يتحمل خمس سنوات من المنافسة الشديدة مع صالح ولد حنيني، إلى حين استقلال المغرب سنة 1956.

الجماني وجيش التحرير

كان خطري ولد سعيد الجماني من أوائل شيوخ الصحراء الذين ربطوا، مباشرة بعد الاستقلال، الاتصال بجيش التحرير. بل إن خطري كان، منذ سنة 1953، ضمن عدد من الشيوخ الذين أقسموا بالوفاء للسلطان بن محمد بن يوسف بعد خلعه عن العرش. وفي مؤتمر أم الشكاك، قرب العيون، الذي عقد مارس 1956 

وتقرر خلاله الامتناع عن أداء الضرائب للإدارة الإسبانية وإرسال وفد إلى الرباط لبيعة محمد الخامس، كان خطري أول من رفض أداء الضرائب وتزعم حملة تحريض القبائل، كما شارك في الوفد الذي جاء إلى الرباط. ولم يفته أن يعلن امتعاضه من الاتفاق المغربي الإسباني في أبريل 1956 الذي ترك منطقة الصحراء جانبا، وهو الامتعاض الذي عبره عنه خطري للسلطان.

سهلت الاتصالات التي ربطها خطري ورفاقه من مأمورية جيش التحرير في الجنوب، فمنذ ماي 1956، كانت النواة الأولى للجيش وصلت إلى مدينة آقا. وفي 6 يوليوز، تمت أولى عمليات جيش التحرير في الصحراء، وهي العملية المعروفة بأم العشار. أعقبتها عمليات أخرى: مركالة، محاميد الغزلان، السويحات، الزمول 1، والزمول 2، ثم عملية أطار في التراب الموريتاني المعروفة بعملية ثكل. خلال هذه الفترة، يقول محمد الشيخ بيد الله، الرئيس الحالي لمجلس المستشارين، وهو من ركيبات أولاد الشيخ: “احتضنت قبيلة الركيبات جيش التحرير، وكانت من بينها شخصيات كبيرة ضمن جيش التحرير، من بينها خطري الجماني، وحبوها لحبيب، ومحمد ولد العريبي.

هذا الأخير صرف من جيبه على جيش التحرير مدة ستة أشهر. بل إن أول عملية قادها جيش التحرير، وهي أم لعشار، كان كل أفرادها من الركيبات، وقبل ذلك كان أول وفد من الصحراء يقدم على السلطان لبيعته في مارس 1956، كله من الركيبات. وكان من بينهم والدي”.

لم يدم حبل الود بين الصحراويين، خاصة الركيبات، وجيش التحرير طويلا، وسرعان ما حلت القطيعة محل الاحتضان. يتحدث تقرير سلمته قيادة جيش التحرير إلى الملك محمد الخامس في نهاية سنة 1959 عن “مؤامرة” تقودها “جماعة من الركيبات على رأسهم ابا الشيخ وخطري ولد سعيد وحبوها وأحمد سالك ولد دحمان”، بإيعاز من أطراف داخل العاصمة، لإحداث “انقلاب صحراوي” داخل جيش التحرير.

في المقابل، يعزو المدافعون عن خطري سبب القطيعة بينه وبين جيش التحرير في الجنوب إلى موقف فريق داخل الجيش من المؤسسة الملكية. يقول إبراهيم الجماني، حفيد خطري ولد سعيد، والبرلماني عن حزب الأصالة والمعاصرة: “أحس الصحراويون أن هناك شيئا ما يدبر في الخفاء ضد الملكية. كان هذا خطا أحمر بالنسبة لهم، رغم أنهم مع أهداف جيش التحرير. هذا هو سبب القطيعة بين جيش التحرير والصحراويين بصفة عامة، وخطري بصفة خاصة”.

من جهته يؤكد بيد الله: “انتصبت يد حديدية بين القصر وجيش التحرير، وحدثت تجاوزات كبيرة ضد الصحراويين الذي كان يعتبرهم فريق من جيش التحرير مقربين ومؤيدين للملكية. كان الصحراويون يرون أمام أعينهم أن هناك مؤامرة ضد الملكية، بل ضد آل البيت. وكلمة آل البيت كان لها وزنها لدى الصحراويين، حتى إنهم عندما يتحدثون عن محمد الخامس يقولون “ولد مولاي يوسف”، ولا يسمونه باسمه محمد احتراما له”، رغم ذلك، يستطرد بيد الله، فإن “خطري لم يكن حاضرا بقوة في المواجهات مع جيش التحرير، بالشكل الذي كان به صحراويون آخرون كحبوها لحبيب، وابا الشيخ ولد باعلي، وعبد الله ولد الرويبح، وايدا ولد التامك”.

فرار على ظهر ناقة

مهما يكن أصل الخلاف، فإن التعايش بين جيش التحرير وخطري ولد سعيد الجماني لم يعد ممكنا، فقد صار اسمه على لائحة أعداء قيادة جيش التحرير بعد أن كان عضوا فيه قبل أشهر فقط. وحينما انتهى إلى علمه أنه مهدد بالاختطاف والاغتيال، تنكر في زي امرأة صحراوية وركب ناقته وهو يحمل طفلا صغيرا، وتسلل هاربا من كلميم إلى معقل قبيلته في منطقة الساقية الحمراء.

منذ هذه اللحظة بدأ خطري في العمل بشكل مباشر ضد جيش التحرير. عندما وصل إلى وادي درعة، يقول مصطفى الناعمي الباحث في الشؤون الصحراوية، “أخرج خطري نسخته من القرآن وطلب من أحمد السالك (هرب بدوره من جيش التحرير) أن يقسم على حفظ السر. هنا، كشف له عن نيته التوجه إلى بئر أم كرين (أقصى شمال موريتانيا) للدخول في محادثات مع الفرنسيين”. قبض على أحمد السالك، فيما نجح خطر في الوصول إلى هدفه.

في بئر أم كرين، عرض خطري على الضباط الفرنسيين التحالف للتخلص من جيش التحرير في الجنوب، وطلب إمداده بالسلاح. كان هذا في النصف الثاني من شهر دجنبر 1957. في 15 يناير 1958، وجه خطري رفقة عدد من شيوخ الركيبات الرسالة التالية إلى غوستان كوزان، المفوض الفرنسي السامي في إفريقيا الغربية في دكار: “]…[ نطلب من سيادتكم ]…[ تدخلكم ضد جيش التحرير الذي يهاجمنا، على أرضنا، متسببا في خسائر للبلاد والممتلكات والناس.

هذا التدخل يتمثل أساسا في الدفاع عن أرضنا، التي تمتد من الخراويع إلى المحيط الأطلسي، ومن الساحل إلى أدرار سطوف، إلى كدية إدجيل، إلى بئر أم كرين، إلى تندوف، إلى واد درعة. إنها البلاد التي نتوسل مساعدتكم من أجل الدفاع عنها ]…[ والسلام. كتب بأمر من خطري المذكور أعلاه، في 24 جمادى الثانية 1377 (15/1/1958)”.

لم تكن فرنسا تنتظر فرصة أحسن من هذه. فرسالة خطري وشيوخ الركيبات تمثل نداء الداخل والذريعة الأخلاقية لعملية “إيكوفيون”، بالتعاون مع إسبانيا، بعد أقل من شهر. قضت العملية بشكل حاسم على جيش التحرير، بينما وجه خطري رسالة ثانية إلى كوزان لتقديم شكره وامتنانه لفرنسا.

بهذه الخطوة، يبدو خطري كما لو أدار نهائيا ظهره للمغرب في اتجاه فرنسا، إلا أن عددا من الإشارات تدعو إلى التخفيف من هذا الاستنتاج. جيش التحرير نفسه اتهم ضباطا الجيش الملكي بالوقوف وراء ارتماء خطري في أحضان الفرنسيين، بل إن أحمد السالك، ابن القائد دحمان بن بيروك، يتحدث عن دور مفترض لكل من محمد أوفقير وأحمد الدليمي، الضابطين في القوات المسلحة الملكية، في الدفع بخطري إلى التوجه إلى بئر أم كرين عند الفرنسيين.

رسالة خطري نفسها تسير في اتجاه تأكيد الانطباع بأن لجوءه إلى الفرنسين لم يكن قط اعتباطيا أو من تلقاء نفسه، فلأول مرة يقدم خطري نفسه باعتباره قائدا مخزنيا، كما يوضح مصطفى الناعمي.

ولم يحل شهر ماي 1958 حتى كان خطري في مدينة ألاك الموريتانية لحظور المؤتمر التأسيسي لحزب التجمع الموريتاني بزعامة المختار ولد داداه، المناهض لأي وحدة مع المغرب الذي كان يطالب حينها بضم موريتانيا. وخلال الأشهر المتبقية، وطيلة 1959، قاد هجمات عسكرية ضد قوافل القوات المسلحة الملكية. لكن، ما الذي دفع خطري إلى الدخول في مواجهة مفتوحة مع المغرب خلال هذه الفترة ؟.

حسب أولفييه فيرنيو، فإن خطري ولد سعيد قرر لحظتها أن “يقطع جذريا مع الخيار المغربي، مفضلا أن يراهن على مستقبل أرض أسلافه بمساعدة الخارج، ضد المغرب”. ويضيف فيرنيو أن فرنسا كانت تنظر بعين الرضا إلى فكرة إنشاء كيان سياسي في المنطقة الشاسعة التي يمتد عليها نفوذ قبيلة الركيبات، وهو الطموح نفسه الذي كان يراود الزعيم الصحراوي.

يؤكد محمد الشيخ بيد الله هذه الفكرة: “كان هذا المشروع حاضرا لدى الفرنسيين، بل بدؤوا في الإعداد له فعلا. فاستدعوا مجموعة من الشيوخ من تندوف، ثلاثة أو أربعة، من بينهم عمي حبوها لحبيب، ونقلوهم إلى باريس، وعرضوا عليهم المشروع، بيد أن هؤلاء رفضوا”. في المقابل، يشدد بيد الله: “لم يكن لخطري علاقة بالمشروع”.

في أحضان إسبانيا

ظل خطري ولد سعيد الجماني، طيلة مسيرته السياسية، رجل التحالفات بدون منازع. في مواجهة فرنسا وإسبانيا وحتى المغرب، مصلحة الجماعة التي يمثلها (البيهات ومن ورائها الركيبات) تأتي في المقام الأول. طيلة الفترة التي أعقبت فراره من جيش التحرير في دجنبر 1957 وحتى نونبر 1975، تاريخ التحاقه بالمغرب، كان رهانه الأساسي على إسبانيا، دون أن يعني ذلك تماهيا كاملا مع سياستها في الصحراء. كانت العلاقة بينه وبين إسبانيا تشهد كثيرا من حالات الشذ والجذب.

فعندما أعلنت مدريد “الصحراء الإسبانية” مقاطعة إسبانية في أبريل 1961، ثم نظمت فيها في 1963 أول انتخابات محلية، انتخب خطري رئيسا “لمجلس المقاطعة”Cabildo ، وعضوا في الكورتيس الإسباني عن مدينة العيون.

لكن سرعان ما دخل في صراع مع الإسبان منذ منتصف سنة 1965، كانت أوج محطاته رفضه القاطع في يونيو 1966 التوقيع على تصريح إسباني، يتضمن إعلان القبائل الصحراوية تعلقها بإسبانيا، كانت مدريد تعتزم تقديمه إلى الأمم المتحدة،.

وفي شتنبر في السنة الموالية قاطع خطري تأسيس “الجماعة” الصحراوية، قبل أن يعود إلى رئاستها ابتداء من فبراير 1971. وخلال هذه الفترة، كان من الأعيان القلائل، الذين غامروا بربط علاقات سرية مع محمد إبراهيم بصيري الذي أسس حركة تحريرية في الصحراء، قبل أن يختفي إلى الأبد إثر انتفاضة “الزملة” في يونيو 1970.

كثيرة هي الأسباب هي التي دفعت خطري إلى الرهان على إسبانيا خلال هذه الفترة، حسب محمد الشيخ يرجع ذلك “أولا إلى مخلفات فترة جيش التحرير، و”الحكرة” التي أحس بها شيوخ الصحراء.

كما أن خطري لامس أن المغرب لم يعد يولي اهتماما كبيرا بالصحراء. وحده علال الفاسي كان ما يزال متشبثا بموقفه القديم من الصحراء، فيما كان دور أغلب الفصائل السياسية متذبذبا. أتذكر، ونحن شباب سنة 1971، أننا كنا نزور قادة الأحزاب السياسية دون أن نلقى اهتماما من أحد. أتذكر مثلا أن محمد اليازغي، من الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، كان أحد القادة القلائل الذين استقبلونا استقبالا حسنا، وأبدوا موقفا مؤيدا لمغربية الصحراء”.

الملاحظة ذاتها يؤكدها عبد الكريم غلاب، الصحافي والقيادي الاستقلالي السابق: “لم يكن الموقف المتجاهل لقضية الصحراء مقتصرا فقط على أعدائنا، بل من بعض أصدقائنا في الحركة الوطنية. في إحدى المرات رسموا كاريكاتورا لعلال الفاسي على ظهر جمل تائه في الصحراء، للسخرية من نداءاته المتكررة بخصوص الصحراء. تشبث علال الفاسي وحزب الاستقلال بقضية الصحراء، كان أحد الأسباب التي دفعت القصر لإعادة التفكير في تعامله مع القضية”.

ابتداء من أواسط سنة 1973، سيظهر فاعل جديد على الساحة السياسية في الصحراء، سرعان ما بدأ في سحب البساط من تحت أقدام “الجماعة” الصحراوية.

يتعلق الأمر بالجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء واودي الذهب (البوليساريو): مجموعة من الشباب الصحراوي يحملون أفكارا ثورية، ويرفعون شعار طرد الاستعمار الإسباني. استطاعت البوليساريو في وقت وجيز أن تكسب شعبية طاغية في الصحراء. حاولت مدريد تدارك الموقف، فدعمت تأسيس حزب الاتحاد الوطني الصحراوي في نهاية سنة 1974.

كان الهدف من تأسيس “البونس” هو خلق حزب من الشباب، مقرب من الإدارة الإسبانية، إلا ان المحاولة باءت بالفشل الذريع. فلم يحل شهر ماي 1975، حتى كان زعيم الحزب، خليهن ولد الرشيد، في الرباط يقدم البيعة للملك الحسن الثاني.

عندما حلت بعثة الأمم المتحدة، في ماي 1975، بمدينة العيون، اتضح بما يدع مجالا للشك أن البوليساريو هي التنظيم الأكثر حضورا في الصحراء. فهمت مدريد، وخطري أيضا، أن لا مفر من فتح مفاوضات معها. حسب أوليفيه فيرينيو، نقلا عن صحيفة ABC الإسبانية، توجه خطري في نهاية ماي 1975 إلى تيندوف ليعرض على الوالي مصطفى السيد “وحدة لجميع الفصائل الصحراوية”.

تنفي عائلة خطري هذا اللقاء، فيما يستبعده محمد الشيخ بيد الله. وعلى كل حال، فإن خطري كان حاضرا، في 12 أكتوبر 1975، بعين بن تيلي (قرية في أقصى شمال موريتانيا على الحدود مع الصحراء) خلال مؤتمر “الوحدة الوطنية” الذي نظمته البوليساريو من أجل استقطاب “البونس” وشيوخ “الجماعة” الصحراوية.

حسب فيرنيو مجددا، كان موقف خطري ضد المغرب في هذه اللحظة متصلبا أكثر من أي وقت آخر. بعد عودته من المؤتمر صرح قائلا: “لن يبقى الصحراويون أبدا مكتوفي الأيدي أمام عدونا الوحيد: المغرب”، وفي اليوم الموالي أعلن: “سنكافح حتى الموت من اجل استقلالنا. لقد طلبنا الأسلحة من إسبانيا حتى ندافع عن حدودنا”.

يرفض إبراهيم الجماني، حفيد خطري، هذا الطرح تماما: “ذهب خطري إلى عين بن تيلي لنصح البوليساريو بالتريث، وباستحالة تشكيل دولة. فلا الظروف والإمكانيات تسمح بذلك. موقفه هذا معروف ومسجل لدى المغرب والبوليساريو”.

الجماني المغربي

عندما أعلنت إسبانيا في 20 غشت 1974 رغبتها في تنظيم استفتاء في الصحراء في الأشهر الأولى من سنة 1975، تحت إشراف المتحدة، أبدى خطري تأييده للمقترح.

لم يكن أمامه، على كل حال، خيار آخر، فهو في الأخير رئيس “الجماعة” الصحراوية التابعة رسميا لإسبانيا. أما الرد المغربي فكان طلب تحكيم محكمة العدل الدولية بلاهاي. ساعات قليلة بعد صدور الرأي الاستشاري للمحكمة، أعلن المغرب، في 16 أكتوبر 1975، تنظيم المسيرة الخضراء. حدد تاريخ انطلاقها في 6 نونبر، وحتى حدود 30 أكتوبر 1975، أي أسبوعا فقط من المسيرة الخضراء، كان خطري ما يزال يراهن على الموقف الإسباني.

في شهادة له، يحكي أندريه لوين الناطق الرسمي باسم الامين العام للأمم المتحدة بين سنتي 1972 و1975 تفاصيل حدث غريب عاشه في نهاية أكتوبر 1975، في العاصمة الإسبانية مدريد، كان بطله خطري ولد سعيد الجماني.

فبعد إعلان الملك الحسن الثاني تنظيم المسيرة الخضراء، قاد هذا الناطق الرسمي جولة في المنطقة حملته إلى المغرب وموريتانيا وإسبانيا والجزائر. حسب أندريه لوين، فإنه تلقى اتصالا من السفير الجزائري في مدريد، نور الدين خلادي. بعد العشاء، قاده السفير الجزائري إلى قبو إقامته. وجد المبعوث الأممي نفسه أمام عددا من الشيوخ الصحراويين.

يقول لوين: “فهمت بسرعة بأنهم نواب صحراويون في البرلمان الإسباني (الكورتيس)، الذي كان ينعقد في دورة حينها. اخذ النواب الكلمة واحدا تلوا الآخر. جذب انتباهي أحدهم بحدة نظرته، وبنبل وقاره، وبالفخر المنبعث من كلمته.

أكدوا لي جميعهم (على الأقل من الترجمة التي أعطيت)، رغبتهم في عدم البقاء مع إسبانيا، وأمنيتهم في الحفاظ على خصوصياتهم الصحراوية، وأملهم في أن يروا الأمم المتحدة تقود استفتاء لتقرير المصير يمكن شعبهم من ممارسة حقوقه والتعبير عن رأيه بخصوص مستقبله”.

استكمل المبعوث الأممي جولته، والتقى بعد أيام بالملك الحسن الثاني. يقول لوين: “قبل أن يتركني، طلب الملك من وزير الإعلام أن يقودني إلى قاعة أخرى من القصر، حيث كان رئيس الجماعة، يعقد مؤتمرا صحافيا بعد التحاقه المذهل بالمغرب ]…[ دخلت إلى القاعة الغاصة عن آخرها بالصحافيين من جميع أنحاء العالم لتغطية المسيرة الخضراء، والاستماع لرئيس الجماعة خطري ولد سيدي سعيد ولد الجماني.

وكم كانت دهشتي كبيرة عندما اكتشفت أنه ذلك النائب الصحراوي في الكورتيس الإسباني الذي لفت انتباهي الأسبوع الماضي في ذلك اللقاء الغريب الذي حضـرته في قبو السفارة الجزائرية في مدريد”.

في أقل من أربعة أيام إذن قلب خطري ولد سعيد الجماني معسكره رأسا على عقب. وفي 3 نونبر 1975، كان في أكادير يجدد البيعة للملك الحسن الثاني. كيف حدث هذا؟. حسب محمد الشيخ بيد الله فإن خطري “كان في اتصال مع المغرب منذ وقت سابق، بواسطة الرقيبي مولاي إبراهيم، وكان يفاوض المغرب سرا.

وكان بهذه التصريحات والمواقف يهادن الإسبان، وفي المقابل يقوي موقفه أمام المغرب، خاصة أنه كان يريد التأكد من الاتصال بالقصر وليس أية جهة. فخطري كان لا يتكلم إلا مع رجل يملك سلطة القرار وليس شخصا يلعب دورا ثانويا”. إبراهيم الجماني يتعبر بدوره ان تصريحات جده خلال هذه الفترة ضد المغرب وضد المسيرة الخضراء، كانت “مجرد تمثيلية.

ففي تلك اللحظات كانت الظروف عليه أن يكون حذرا، وأن لا يعطي الانطباع مع المغرب. كل هذه التصريحات كانت في إطار تدبير عملية الرجوع إلى المغرب. حسب ما وصلني من العائلة ومن الأشخاص الذين كانوا معه، كان موقفه واضحا ودائما مع المغرب. كان عليه فقط أن يدبر المرحلة بطريقة فيها الكثير من الذكاء والحذر”.

في المقابل، تنتصب تحليلات أخرى: منذ بداية سنة 1975، أصبح خطري على قناعة تامة بأن أيام إسبانيا في الصحراء أصبحت معدودة، وأن القضية في طريقها إلى التسوية عن طريق اتفاق ثلاثي بين المغرب وإسبانيا وموريتانيا.

كما كان مقتنعا أن لا مكان له في البوليساريو، وفي وقت كانت في أيدي المغرب مفتوحة، فلم يكن يدا من الارتماء في أحضانها. ومنذ 3 نونبر 1975 بدأ تاريخ آخر في حياة خطري ولد سعيد الجماني، وارتبط اسمه بالمغرب وقضية الصحراء إلى وافته المنية سنة 1993، وعمره 78 عاما.

مملكتنا.م.ش.س

Advert test
2018-11-07 2018-11-07
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

مملكتنا
%d مدونون معجبون بهذه: