إطلالة على فكر أركون

آخر تحديث : السبت 9 فبراير 2019 - 11:50 مساءً
Advert test

إطلالة على فكر أركون

بقلم: ياسين الكولالي

لفهم أي كاتب، أو مفكر، أو فيلسوف، لا بد من الرجوع لسيرته الذاتية وكذا العلمية والوقوف عليها، فبذلك سيسهل علينا فهمه بشكل أكبر وأدق، وعلى هذا الأساس قمت بإيراد لمحة طفيفة عن مختصر سيرة الذاتية للدكتور محمد أركون. سيرته الشخصية: ولد محمد أركون في شهر فبراير 1928 بقرية تاوريرت ميمون بولاية تيزي وزو في منطقة القبائل الكبرى، في هذه القبيلة قضى طفولته ومراهقته ونشأ في عائلة أمازيغية فقيرة دخلها محدود وأفرادها كثر. وذكر في مراسلاته الشخصية أن عائلته تركت موطنها الأصلي في قسنطينة وقصدت تاوريرت ميمون بحثا عن الحماية. توفي يوم 15 سبتمبر/أيلول 2010 عن عمر ناهز الثمانين عاما، ودفن بمقبرة الشهداء في العاصمة المغربية الرباط تنفيذا لوصيته.

سيرته العلمية: استهل تعليمه الابتدائي في تاوريرت ميمون، والتحق بوالده في محافظة عين تموشنت بالغرب الجزائري وهو في التاسعة من العمر، فتعلم العربية والفرنسية. وبسبب الظروف الاقتصادية الصعبة لعائلته لم يتمكن من السفر إلى العاصمة الجزائر لمواصلة تعليمه الثانوي، فدرس في ثانوية يشرف عليها الآباء البيض (نخبة من المعلمين ذوي النزعة التبشيرية) بولاية وهران ما بين (1941-1945). استكشف في تلك المرحلة الثقافة والأدب اللاتينيين، وتعرف على القيم المسيحية وآباء الكنيسة الأفريقية “تور توليان” و”سوبريانوس” و”أوغسطينوس.” إلتحق بكلية الأدب في جامعة الجزائر ما بين (1950-1954) ولم يكتف بدراسة الأدب بل انخرط أيضا في دراسة الفلسفة والقانون والجغرافيا، وفي منتصف الخمسينيات التحق بجامعة السوربون بتوصية من المستشرق “لويس ماسينيون،” وفيها حصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة في يونيو/حزيران 1969. تولى عددا من الوظائف والمهام، حيث عمل أستاذا في العديد من الجامعات العالمية كجامعة السوربون تخصص التاريخ الإسلامي (1961-1969)، وجامعة ليون (1970-1972)، وجامعة كاليفورنيا (1969)، وجامعة نيويورك (2001-2003). اشتغل بنقد العقل الإسلامي من خلال دراسة النصوص الدينية وأصول الفقه التي أصلها علماء الشريعة الإسلامية على مدار القرون الثلاثة الأولى، والتي جسدت حينها قدرة العقل الإسلامي على التحليل والتفسير والاستقراء والاستنباط. وظلت تلك الأصول -حسب رأيه فيما بعد قوانين مقدسة لا يمكن تغييرها بتغيير الظروف التاريخية والاجتماعية، ولذلك سعى أركون وحاول فهم النص الديني من خلال تركيبته الأدبية والقرائن التي تحفه.

ألف باللغة الفرنسية العديد من الكتب أبرزها “الفكر العربي” ترجمه الدكتور عادل العوا إلى العربية، “الإسلام بين الأمس والغد” ترجمه علي مقلد، “تاريخية الفكر العربي الإسلامي”، “الفكر الإسلامي قراءة علمية”، “الإسلام والأخلاق والسياسة”، ” الفكر الإسلامي نقد واجتهاد”, و”استحالة التأصيل”. كما ألف “نزعة الأنسنة في الفكر العربي”، “من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي” و”معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلامية”، “قضايا في نقد العقد الديني”، و”العلمنة والدين” بالإضافة إلى مقالات ودراسات متعددة. حصل على عدد من الجوائز والأوسمة من قبيل ضابط “بالمس” الأكاديمي 1 أغسطس/آب 1979، وضابط لواء الشرف 10 ديسمبر/كانون الأول 1984، ونال دكتوراه فخرية من جامعة أكسيتر 18 أبريل/نيسان 2008. كما حصل على جائزة ليفي ديلا لدراسات الشرق الأوسط كاليفورنيا 10 مايو/أيار 2002، وجائزة ابن رشد للفكر الحر برلين ديسمبر/كانون الأول 2003، وجائزة الدوحة عاصمة الثقافة العربية فبراير/شباط 2010. السيرة العلمية للرجل تظهر مكانته العالية في العلم، ولأركون ترسانة من المصطلحات الخاصة به حيث يشتغل بها في حقله المعرفي وحرب اليوم كما هو معروف هي حرب مصطلحات ومفاهيم، ولفهم أي تجاه فكري أو مدرسة فلسفية لابد من الرجوع للمفاهيم والمصطلحات التي تشتغل بها لفهمها وكذا فهم المراد منها، وهذا ما دفعنا للوقوف على جملة من المصطلحات في فكر الدكتور محمد أركون والتي تشكل العمود الفقري لفكره وهذه المصطلحات تتمثل في: ” مفهوم النص الديني، مفهوم التاريخية، مفهوم العلمانية، مفهوم التراث لإسلامي”. أما النص الديني عند أركون فهو يتضمن جميع النصوص الدينية (اليهودية، المسيحية، الإسلام)، وإن كان ينقسم النص الديني عند علماء المسلمين إلى قسمين أساسيين هما القرآن والسنة، فإن أركون يميز بين نوعين من النص الديني، فهناك نص ديني تأسيسي وهناك نص فرعي أو ثانوي النص الديني التأسيسي يتمثل في النصوص الدينية الكبرى “التوراث، الإنجيل، القرآن”، وهي تتضمن المعنى الأول والأصلي حيث يقول أركون في كتابه الإسلام أروبا الغرب صفحة 28: (أنه يعلو على كل مناقشة ولا يخضع للأخذ والرد، إنه مطلق لا يناقش ولا يمس) إلا من قبل الفقهاء أي أنهم هم الوحيدون القادرون على فهم النصوص التأسيسية (القرآن والسنة) وهم وحدهم من يعرف تأويله، واستخراج المعاني الصحيحة منه وإبراز الأوامر والنواهي التي تصوغ الحياة الإنسان الدينية، وبالتالي نجد أركون يرفض التفسير الأحادي الضيق للقرآن الكريم، والدعوة إلى الالتزام به من غير نقد أو مناقشة لأن القرآن في نظره عبارة عن خطاب مجازي رمزي لا يمكن اختزاله إلى معنى واحد وتحويله إلى قوانين ثابتة، وقوالب جامدة لتلبية حاجيات المجتمع، حيث قال أركون من نفس المصدر السابق صفحة29 ” يجهلون إذ يفعلون ذلك أنهم يقلبون معنى الوحي ويجمدونه في حين أنه فوار بالمعنى غزير، مجازي، متشعب.”

والمصطلح الثاني التاريخية من بين أهم المصطلحات التي تعتمدها العلوم الإنسانية خاصة منها علم التاريخ، ولو أردنا تتبع مراحل مصطلح التاريخية فإنها حسب أركون، في كتابه ” الفكر الإسلامي قراءة علمية” ترجمة:هاشم صالح، صفحة 116: ( ظهرت للمرة الأولى حسب قاموس لاروس الكبير للغة الفرنسية في مجلة نقد وذلك في 6نيسان 1872…إن الأمر يتعلق، في الحقيقة بصياغة علمية مستخدمة خصوصا من قبل فلاسفة الوجوديين للتحدث عن الامتياز الخاص الذي يمتلكه الإنسان في إنتاج سلسلة من الأحداث والمؤسسات والأشياء الثقافية التي تشكل بمجموعها مصير البشرية). ويعرفها أيضا في نفس المصدر الأول ( أنها المقدرة التي يتمتع بها كل مجتمع في إنتاج حقله الاجتماعي والثقافي الخاص به . ووسطه التاريخي الخاص به أيضا) . ويميز أركون بين نوعين من التاريخ فهناك تاريخ أرضي وتاريخ سماوي، فالتاريخ الأرضي هو تاريخ الأحداث والوقائع المحسوسة وكل شيئ يقع على الأرض ويبقى فيها، أما التاريخ السماوي من خلال العلاقة الكائنة بين البشر والله ، أي العلاقة بينهما علاقة روحية تعبدية من أجل النجاة إلى الدار الآخرة، ولكنهما يتداخلان كثيرا حيث يقول أركون في كتابه “أين هو الفكر الإسلامي المعاصر” ترجمة هاشم صالح، صفحة 83( فالمسار الأرضي هو الذي يوصل كل إنسان إما إلى النجاة وإما إلى الهلاك، وهكذا يمكننا عندئذ أن نتحدث عن كلتا الحالتين عن تاريخ النجاة، لأن هذا التاريخ يتضمن بالضرورة سلسلتين من المبادرات) والمصطلح الثالث العلمانية كما هو معروف تعرف على أنها ” فصل الدين عن الدولة” وهو أكثر التعريفات شيوعا للعلمانية في العالم ، والعلمانية كما يفهمها أركون حيث يقول في كتابه ” الفكر الإسلامي ، صفحة180 (هي أكثر من مجرد التفريق بين الشؤون الروحية والشؤون الزمنية، إن تعريفا كهذا موجود علميا في كل المجتمعات حتى عندما ينكر وجوده ويحجب بواسطة المفردات الدينية) وفي كتاب العلمنة والدين يضيف (أقصد العلمنة المعاشة كتوتر مستمر من أجل الاندماج في العالم الواقعي والتي تساعد على نشر ما معتقد أنه الحقيقة في الفضاء الاجتماعي) أي العلمانية لا تعادي الأديان وإنما تخترق المفهوم السلبي والسائد لها، إلى مفهوم أوسع هو الحرية.

أما المفهوم الرابع التراث الإسلامي الذي أثار أهم القضايا التي اشتغل عليها محمد أركون في مشروعه نقد العقل الإسلامي، هو تحديده لمفهوم التراث، فالتراث حسب أركون لا يمكن فهمه إلا من خلال ربطه بالحداثة، لهذا نجد للتراث عند أركون ثلاثة مستويات: التراث الذي يعني التراث الإسلامي المقدس، والتراث الذي يعني العادات والتقاليد، والتراث الذي يعني التراث الإسلامي الكلي . ويشير محمد أركون في كتابه “تاريخية الفكر العربي الإسلامي” صفحة 17و18 ( أن مفهومي الإسلام والتراث غير محددين بشكل نهائي ومغلق لأنهما خاضعان للتغير المستمر الذي يفرضه التاريخ) ويقول أيضا في كتابه ” الفكر الإسلامي قراءة علمية صفحة 24 ( فكما أنه لا يوجد إلا إسلام واحد فإنه لا يمكن أن يوجد إلا تراث واحد، غير أن الوقائع التاريخية تتناقض مع ذلك، لأنه بعد موت النبي عام 11هجرية /632 ميلادية ، كانت هناك عدة انطلاقات ممكنة للتراث بحسب القرآن وتجربة المدينة والواقع الاجتماعي الثقافي لشبه الجزيرة العربية والبلدان المجاورة، وقد تبلورت ثلاثة اتجاهات أثناء القرن الهجري الأول، وشهدنا عبره الصراعات الدموية العنيفة والمناقشات الحامية والخصبة وانبثاق الأرثوذوكسيات الثلاث الكبرى بالتدرج أي الأرثوذوكسية السنية والشيعية والخارجة) إن ما يمكن قوله هو أن أركون يريد الحفر في بنية التراث الإسلامي بكل مستوياته من أجل إعادة بلورته في تراث واحد قادر على مجارات الحداثة. لقد لقي فكر الدكتور محمد أركون اهتماما كبيرا جدا من طرف مفكري العرب الذين تبنوه و عقدوا له فصلا أو بابا خاصا في مؤلفاتهم حول فكر هذا الأخير، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: علي حرب في مؤلفيه: “نقد النص” و “نقد الحقيقة”، ونصر أبو زيد في كتابه “الخطاب والتأويل”، وجورج طرابيشي في “مذبحة التراث”… الخ إلا أن فكر أركون لم يسلم من النقد من جملة من المفكرين والعلماء المسلمين فقد أجمعوا على أنه امتداد للفكر الإستشراقي لا أقل ولا أكثر: يقول الأستاذ والدكتور الحسن حمدوشي في كتابه ” قراءة النص القرآني بين التجزيئية والتاريخانية ” في الصفحة 137 : إذ يقول ( فقد اتسم منهجه بالإخلاص العميق للفكر العلماني الليبرالي من خلال اعتماده الكلي على الأسس المنهجية والمعرفية الغربية (التاريخية والتفكيكية)، دونما مراعاة للخصوصيات الثقافية والمعرفية لواقع الأمة التي هو جزء منها، وكذلك من خلال متابعته لكل ما سطره وبناه الفكر الإستشراقي الذي يشكل بنظره الاقتداء به ونسخه، بوصفه ) و يقول الدكتور محمد عمارة في أحد أشرطته على اليوتوب: محمد أركون كان خادما للمخططات الاستشراقية وسقط كغيره في غواية الاستشراق الغربي ويذكر بمقولة عبد الرحمن بدوي ” وهل له من رسالة سوى تشويه التراث الإسلامي”.

مملكتنا.م.ش.س

Advert test
2019-02-09 2019-02-09
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

مملكتنا
%d مدونون معجبون بهذه: