” الترمضينة ” في المغرب .. ممارسات تخفي السلوك العدواني تحت غطاء الصيام

السبت 25 مارس 2023 - 12:43

الرباط ــ تمظهرات عنف لفظي ورمزي، بل جسدي أحيانا، تتزايد نهار كل رمضان، لا سيما خلال الساعات القليلة التي تستبق وقت الإفطار، ما فتئت تعكّر صفو فضاءات عامة في الشوارع والأحياء كما الأسواق في مختلف مدن المملكة.رمضان، “شهر الصبر” الذي يفترض أن ينعكس ارتفاع منسوب التعبّد فيه وانتشار مظاهر التدين على سلوك الأفراد وتصرفاتهم وأقوالهم، انزاح في السنوات القليلة الماضية عن أبرز مقاصده في اتجاه كثرة التنازع والخصام وتبادل الشتائم والشجار، إلى درجة ارتكاب جرائم قتل فظيعة أحيانا، بمبرر أو ذريعة “الصيام”، أو ما يُعرف لدى المغاربة بـ “التّرْمْضينة”.

تتعدد تمثلات “الترمضينة” وتمظهراتها لدى عدد من الصائمين بين انفلات الأعصاب وفقدان السيطرة على النفس، وتبادل عبارات السبّ والشتم، وقد تتطور إلى عنف جسدي في الشارع العام، إلاّ أنها تجتمع في أمر واحد هو “عدوانية سلوك الفرد” ومنحاه لأن يصير “أكثر عنفا”.

فكرة خاطئة

عن مدى صحة الأفكار والدراسات العلمية أو الطبية التي تتحدث عن “العلاقة بين الجوع والغضب”، قال محسن بنزاكور، دكتور مختص في علم النفس الاجتماعي، إن “ما يروج ويشاع في وسائل التواصل الاجتماعي حول الجوع في علاقته بالترمضينة (أو أنا جائع إذن أنا غاضب)، فكرة خاطئة”.

وتابع بنزاكور شارحا، في تصريح لجريدة هسبريس، أن “الإشكال هو في الجانب النفسي، لأنه عندما يجوع الإنسان ويعرف أنه اختيار، وليس إلزاماً أو بسبب الفقر أو بسبب ظروف لا يستطيع أن يتحكم فيها، يكون الجوع آنذاك مصحوبا بنوع من الهلع، وهو ما يضاعف شعور القلق (Anxiété)”، مؤكدا أن “هذا الأخير حين يكتنفه يمكن أن يفضي إلى مضاعفة رد الفعل اللاّعقلاني”.وأكد الخبير النفسي أنه “حينما يكون الجوع عن رغبة أو قرار لغاية صحية أو جمالية (مثلا في حالة اتباع حِمْية)، فإن الصائم حينما يصوم وله رغبة الصوم، سواء كان عبادة أو عن طريق التقليد، لا يمكن أن يصاب بما يسمى الترمضينة”.

إخفاء الاندفاع

“يمكن القول إن الترمضينة ظاهرة اجتماعية بامتياز يتخفّى وراءها ذلك الذي من عادته أن يكون اندفاعياً وانفعالياً”، يسجل بنزاكور قبل أن يمضي باسطاً كيفيات الأمر وحيثياته بالقول: “عندما يكون الإنسان في وضعية سياقة أو خلال تسوّقه أو أثناء انتظار دوره في طابور خدمة معينة… كلها من المعالم التي نرى فيها ارتفاعاً لنسبة تشنّج نفسي أو في حالة شجار بدون سبب حتى بين الجيران أو داخل العائلة نفسها”.وفسّر أستاذ علم النفس الاجتماعي بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء هذه “الظاهرة الرمضانية” بتوفر الشخص الغاضب خلال نهار رمضان على “شخصية غير متوازنة وانفعالية تتعمد التخفّي وراء عبارات من قبيل (مَقْطوع من السيجارة أو فيه الجوع)، التي تظل تبريرات وليست أسبابا”.

صيام بلا روحانيات

في سياق متصل، أكد بنزاكور أن “الذي يُعدّ علمياً بشكل محض، وننصح به انطلاقا من تفسيرات سوسيو-بسيكولوجية، هو أن الإنسان حين يكون إحساسه مرتفعاً بالجوع، فعليه أن يتجنب التوجه نحو الشراء والإفراط في الاستهلاك”، مقيما ربطا واضحا بين “الاستهلاك الخيالي في رمضان والشعور بشهوة الأكل خلال نهار رمضان”.ولفت إلى أن ذلك “يؤكد، من الجانب النفسي، العلاقة بين الإقبال المفرط على الشراء خلال نهار رمضان حين يكون منسوب الرغبة والشهوة كبيرا، ويظن الشخص أن كل ما قد يقتنيه لن يكفيه”، نافيا أي علاقة بين هذا المعطى وبين سلوك عدواني لبعض الصائمين (الترمضينة). وبخصوص انعكاسات سلبية لـ”نقص مادة النيكوتين في الدم”، أوضح الدكتور النفسي أنه “أمر يُلاحِظه حتى الذين يريدون الإقلاع عن التدخين خلال شهر رمضان أو من طرف محيطهم الذين يلاحظون نرفزة واضحة وتشنجاً سلوكيا، غير أنه لا يصل إلى حدّ ما نراه في شوارعنا من عنف وعنف مضاد وسباب ورفع للأصوات…”.وخلص الخبير النفسي ذاته إلى كون “الذين يُحسّون بالترمضينة أو مْرَمْضْنِين، فإن صيامهم غالبا ما يكون غير مصحوب بالروحانيات التي تضفي الهدوء على أرواحهم وتجعل الغايات أكبر من أي سلوك غير متحكم فيه”.

مملكتنا.م.ش.س/هسبريس

Loading

مقالات ذات صلة

الجمعة 29 أغسطس 2025 - 12:47

الهدهد .. لوبيات غاضبة وأقلام مأجورة ضائعة .. المغرب يصنع التاريخ ومن وراء مقالات “لوموند” يَئِن !

الأربعاء 27 أغسطس 2025 - 22:14

الافتتاحية الصباحية .. حين يسقط الإعلام الجزائري في امتحان الحموشي

الثلاثاء 26 أغسطس 2025 - 23:07

مهدي حيجاوي .. الكارثة الفكرية التي تظن نفسها مرجعاً أمنياً !

الإثنين 25 أغسطس 2025 - 16:13

الحلقة الثانية .. العمارة المتخيّلة هرم الظل في عالم الحيجاوي