المغرب أمام لحظة مفصلية .. بين الشعارات المستهلكة والخيار الاستراتيجي

السبت 15 فبراير 2025 - 23:06

سناء اليوسفي

يجد المغرب نفسه اليوم أمام لحظة تاريخية حاسمة، لحظة تستدعي منه أن يكون ذكياً، حكيماً، وقادراً على رؤية الصورة الكاملة، لا أن ينجرف خلف العواطف والشعارات المستهلكة التي لم تُثمر سوى الفشل والتراجع. هناك من يريد أن يجرّنا إلى مستنقع الشعارات الجوفاء، إلى حروب عبثية لا نهاية لها، إلى استنزاف لا يخدم مصالحنا الوطنية، بينما هناك خيار آخر أكثر وضوحًا، أكثر عقلانية، وأكثر انسجامًا مع المصالح العليا للمغرب: تعزيز الشراكة مع إسرائيل دون تردد، دون حسابات خاطئة، ودون الالتفات إلى الأصوات التي لا تمتلك لا رؤية ولا مشروعًا سوى تدمير كل فرص التقدم.
هذا الخيار لا ينبع من العدم، ولا هو وليد اللحظة، بل هو نتيجة لتغيرات إقليمية ودولية فرضت نفسها على الواقع السياسي والاقتصادي. فالعالم اليوم لا يعترف إلا بالدول القادرة على بناء استراتيجياتها بعقلانية، واتخاذ قراراتها بناءً على مصالحها لا على العواطف أو الضغوط.

الواقع يفرض نفسه .. والمغرب ليس معنيًا بالمزايدات

لنتحدث بصراحة ووضوح: ماذا قدم لنا المتاجرون بالقضية الفلسطينية منذ أكثر من 70 عامًا؟ لا شيء سوى الخطابات الرنانة، الهزائم المتكررة، والأزمات التي لا تنتهي. كل عقد من الزمن يمضي، وكل أزمة تندلع، نجد أنفسنا أمام نفس السيناريو: شعارات جوفاء، دعوات للمقاطعة، نداءات للتصعيد، ثم لا شيء سوى المزيد من التراجع والتخلف الاقتصادي والسياسي للدول التي وقعت في هذا الفخ.
المفارقة هنا أن الدول التي كانت تتصدر خطاب “المقاومة والممانعة” هي نفسها التي هرولت لعقد اتفاقيات مع إسرائيل عندما أدركت أن استمرار القطيعة لا يخدم مصالحها، وأن التحولات الدولية تفرض إعادة الحسابات. فإسرائيل، بفضل اقتصادها القوي وتفوقها التكنولوجي، أصبحت لاعبًا أساسيًا في العديد من المجالات الحيوية، مما جعل العديد من الدول تدرك أن العلاقة معها لم تعد مجرد خيار، بل ضرورة استراتيجية.
في هذا السياق، نجد أن هناك من يريد أن يدفع المغرب ليكون جزءًا من هذه الفوضى، أن يربطه بأجندات لا علاقة له بها، أن يستنزف مقدراته في معارك لا طائل منها. لكن السؤال الحقيقي هو: لماذا؟ هل من مصلحة المغرب أن يضع نفسه في قلب نزاع لن يخرج منه أحد منتصرًا؟ هل من المنطقي أن يضحي المغرب بمستقبله التكنولوجي، الاقتصادي، والدبلوماسي لمجرد أن البعض يريد أن يستغل “غزة” كورقة سياسية لمآرب أخرى؟ لا، المغرب ليس في هذه اللعبة، ولن يكون.
المغرب، تاريخيًا، كان دائمًا إلى جانب الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ودعمه للقضية لم يكن يومًا موضوع مزايدة أو دعاية. لكن الفرق بين المغرب وبين الدول التي تتاجر بالقضية هو أن الرباط لم تكن يومًا طرفًا في تأجيج الصراع، ولم تتخذ القضية ذريعة لتعطيل تنميتها أو المساس بمصالحها الاستراتيجية. هناك دول مسؤولة عن هذا الملف، وعلى رأسها مصر، الأردن، ودول الخليج، وهي التي لديها القدرة والموارد للتعامل مع الوضع وفق مصالحها. أما المغرب، فليس دولة حدودية مع غزة، ولا يجب أن يُطلب منه أن يكون طرفًا في أزمة لا تخصه استراتيجيًا.

إسرائيل ليست عدوًا.. بل نموذج لدولة نجحت

هناك حقيقة يرفض البعض الاعتراف بها: إسرائيل ليست عدوًا، بل على العكس، هي نموذج لدولة نجحت رغم كل التحديات، لأنها اعتمدت على العلم، على التكنولوجيا، على الابتكار. بينما هناك من يبيع لنا الأوهام تحت شعار “المقاومة”، كانت إسرائيل تبني اقتصادًا قويًا، منظومة تعليمية متقدمة، وتكنولوجيا جعلتها اليوم واحدة من أقوى دول العالم. واليوم، أمام المغرب فرصة تاريخية ليكون جزءًا من هذا النجاح، لا أن يكون أسيرًا لفكر لم يُنتج سوى الفوضى والانهيار.
إسرائيل، ورغم صغر مساحتها وقلة مواردها الطبيعية، استطاعت أن تتحول إلى قوة اقتصادية وتكنولوجية عالمية لأنها ركزت على الابتكار والتعليم والتخطيط الاستراتيجي. وفي المقابل، كم من دولة عربية امتلكت ثروات هائلة لكنها أهدرتها في الحروب والصراعات الداخلية، أو في دعم مشاريع ثبت فشلها عبر العقود؟ الفرق واضح بين من يستثمر في المستقبل ومن يصر على العيش في الماضي.

العلاقات المغربية-الإسرائيلية .. مكاسب استراتيجية لا يمكن إنكارها

منذ إعادة العلاقات مع إسرائيل، والمغرب يحقق مكاسب استراتيجية غير مسبوقة:

  • تعاون أمني واستخباراتي يعزز استقراره، في وقت يواجه العالم تهديدات إرهابية وأمنية معقدة.
  • شراكات اقتصادية تفتح له أبواب الابتكار والاستثمار في مجالات حيوية مثل التكنولوجيا، الزراعة الحديثة، والصناعات المتقدمة.
  • دعم دبلوماسي دولي يعزز مكانة المغرب في الساحة العالمية، خصوصًا في قضاياه المصيرية مثل ملف الصحراء المغربية.
    لماذا إذن يجب علينا أن نضحي بكل هذا؟ لماذا نسمح للبعض بأن يعيدنا إلى الوراء؟ لماذا نفتح المجال لمن يودّون ربط مستقبل المغرب بمشاريع لا تخدم سوى مصالحهم الضيقة؟
    الواقع يقول إن المغرب الذي يبني مستقبله يجب أن يواصل هذا المسار دون تردد، لأن التراجع الآن سيكون خسارة لا تُقدّر بثمن. أي محاولة لعرقلة هذا التوجه الاستراتيجي لا تعني سوى التضحية بالمكاسب التي تم تحقيقها، وهي مكاسب ملموسة، وليست مجرد وعود أو شعارات.

المغرب دولة ذات سيادة .. ولا يقبل الضغوط

المغرب دولة ذات سيادة، لها مصالحها، لها قراراتها، ولن تكون أبدًا رهينة لمن يعتقد أنه بإمكانه استغلال القضية الفلسطينية للضغط عليه أو المزايدة عليه في قراراته السيادية. القرار المغربي ينبع من رؤية استراتيجية تخدم مصالحه الوطنية أولًا وأخيرًا، وليس من إملاءات خارجية أو عواطف زائفة.
التاريخ يكتبه الأذكياء، والوقت الآن ليس للانفعال، بل للحكمة والقرارات الاستراتيجية. المغرب يجب أن يتقدم، يجب أن يستثمر في مستقبله، يجب أن يبني شراكات تفيده، لا أن يكون أسيرًا لمنطق الصراعات التي لا تخدم إلا من يريدون بقاء هذه المنطقة في التخلف والدمار.
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد نقاش عابر، بل هو مفترق طرق حقيقي: بين من يريد المغرب قوياً، متقدماً، ومنفتحاً على العالم، وبين من يريد ربطه بأجندات عفا عليها الزمن ولم تؤدِ إلا إلى الفشل. والقرار واضح، وعلى المغرب أن يمضي قدماً في طريقه، بكل ثقة، ودون تردد.

مملكتنا.م.ش.س

Loading

مقالات ذات صلة

الجمعة 29 أغسطس 2025 - 12:47

الهدهد .. لوبيات غاضبة وأقلام مأجورة ضائعة .. المغرب يصنع التاريخ ومن وراء مقالات “لوموند” يَئِن !

الأربعاء 27 أغسطس 2025 - 22:14

الافتتاحية الصباحية .. حين يسقط الإعلام الجزائري في امتحان الحموشي

الثلاثاء 26 أغسطس 2025 - 23:07

مهدي حيجاوي .. الكارثة الفكرية التي تظن نفسها مرجعاً أمنياً !

الإثنين 25 أغسطس 2025 - 16:13

الحلقة الثانية .. العمارة المتخيّلة هرم الظل في عالم الحيجاوي