محمود هرواك
في مدينةٍ لا تعترفُ بالزمن، حيثُ تتكئُ جبالُ الأطلسِ بوقارٍ صوفيّ على كتفِ مدينتي “مراكش الحمراء”، يُنصَبُ السرادقُ العظيم كل عام، ليس لسرد الحكايات في “جامع الفنا” فحسب، بل ليمارِس “الفن السابع” طقوس خلوده أمام “سلطة الحبر”. إننا اليوم، ونحن نقف على عتبات الدورة الحالية للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش، لا نشهد مجرد احتفال سينمائي، بل نشهد فصلاً جديداً من روايةٍ طويلة، بدأت منذ أن قرر الإنسان حبس الزمن في شريط، وقرر آخرون محاكمته على الورق.
الولادة من رحم الفضيحة والدهشة
منذ الأزل، كانت العلاقة بين الصحفي والسينمائي أشبه برقصة “التانغو” المحمومة؛ خطوة إلى الأمام، وخطوتان من الشك. حين عرض “الأخوين لوميير” فيلمهما القصير عن “وصول القطار إلى محطة لا سيوتا” عام 1895، لم تكن الكاميرا وحدها هي التي وثقت الرعب في عيون المشاهدين الذين فروا خوفاً من القطار القادم نحوهم من الشاشة، بل كانت الصحافة حاضرة لتكتب بمداد من السخرية والدهشة: “هل جنّ هؤلاء العلماء؟ إنهم يبيعون الوهم في علب سوداء!”
لم تدرك الصحافة آنذاك أنها أمام وحشٍ سيبتلعها لاحقاً، أو بالأحرى، سيتحد معها. تحولت الصحافة من “ناقل للخبر” إلى “صانع للنجم”. وفي تاريخ هذه العلاقة، تبرز غرائب لا يطويها النسيان. لعلنا نذكر تلك المعركة الملحمية بين “أورسون ويلز” وإمبراطور الصحافة “ويليام راندولف هيرست”. حين تجرأ ويلز وصنع “المواطن كين”، الفيلم الذي فضح جبروت الصحافة الصفراء، حينها جن جنون هيرست، وسخر إمبراطوريته الإعلامية ليس لنقد الفيلم، بل لدفنه حياً. كانت تلك اللحظة المفصلية التي أدرك فيها العالم أن السينما ليست مجرد تسلية، بل هي قوة قادرة على هز العروش وزلزلة الكراسي بما فيها مقاعد الصحافة نفسها، وأن صاحبة الجلالة بدورها سيفٌ مسلط قد يغتال الإبداع أو يخلده.
وحشية العدسة وفضول القلم
وعبر التاريخ، تحول الصحفي من ناقدٍ حصيف في الغرف المظلمة، إلى “باباراتزي” يطارد الأرواح في شوارع روما وباريس ونيويورك.. والمفارقة المذهلة هنا، أن السينما هي من أطلقت هذا اللقب؛ ففي فيلم “لا دولتشي فيتا” لفيليني، كان المصور المتطفل يدعى “باباراتزو”.. حينها قال الجميع: “يا لسخرية القدر! السينما تخلقُ جلادها!”
وهل ننسى كيف التهمت الصحافة “مارلين مونرو”؟ لتحولها من ممثلة تبحث عن ذاتها إلى مادة دسمة للحبر الرخيص، حتى بات موتها مانشيتاً عريضاً قبل أن يكون مأساة إنسانية.. أو كيف تعاملت الصحافة مع المخرج الإيطالي المتمرد “بازوليني”، الذي كانت مقالاته النقدية في الصحف توازي في حدتها أفلامه الصادمة، حتى اختلط حبره بدمه في تلك الليلة المشؤومة.
إنها علاقة جدلية؛ المخرج يصنع الحلم، والصحفي يفككه.. الممثل يرتدي القناع، والصحفي يسعى لانتزاعه بفظاظة أحياناً، وبذكاء تحليلي أحياناً أخرى.
مراكش.. حيث تتصالح الأضداد
وهنا، في مراكش، تتخذ هذه العلاقة بعداً آخر. في هذه الدورة من المهرجان، تتجلى المدينة ك “أستوديو” مفتوح على السماء. مراكش ليست مجرد مضيف، بل هي “العدسة” و”المحبرة”.
في أروقة “قصر المؤتمرات”، وردهات الفنادق العتيقة، يتجول الصحفيون ليس كصائدي فضائح، بل كمريدين في حضرة الجمال. وبالنسبة لي أجزم أن المهرجان الدولي للفيلم بمراكش نجح فيما فشل فيه غيره: “أنسنة العلاقة بين النقد والإبداع”.
لنتأمل المشهد الآن: السجادة الحمراء ليست ممراً للاستعراض فحسب، بل هي جسرٌ يربط بين عمالقة هوليود، وسحر السينما الآسيوية، وواجهة السينما الإفريقية الصاعدة بقوة. في هذه الدورة مثلا نرى كيف تحولت الصحافة العالمية من مجرد تغطية مرور النجوم، إلى الغوص في عمق “ورشات الأطلس”. هذا هو التحول الجوهري؛ الصحافة هنا لا تبحث عن فستان الممثلة الفلانية كما السابق بقدر ما تبحث عن الموهبة الإفريقية القادمة التي ستغير وجه السينما.
من الطرائف التي تروى في كواليس هذا المهرجان عبر تاريخه، كيف أن مخرجاً عالمياً كبيراً (مثل سكورسيزي الذي يعشق هذه المدينة حد الجنون بالمناسبة) قد يجلس في مقهى شعبي بساحة “جامع الفنا”، متأملاً “الحكواتي” الشعبي، بينما الصحفيون يتركون كاميراتهم الحديثة جانباً ليستمعوا معه. هنا فقط، في مراكش، تعود القصة إلى أصلها الشفهي، وتعود الصحافة إلى دورها كشاهد، وتعود السينما إلى براءتها الأولى.
نقدٌ برائحة مراكش
في مقالنا هذا، وبصمةٍ شخصية، أرى أن السينما اليوم في حاجة إلى الصحافة أكثر من أي وقت مضى، ولكن أي صحافة؟ ليست تلك التي تلهث خلف “التراند” الرقمي، بل الصحافة الأدبية المتأنية، تلك التي تكتب عن الفيلم كما يُكتب عن القصيدة.
إن ما يحدث في مراكش الآن هو إعادة الاعتبار للسينما كفعل ثقافي مقاوم. حين نرى تكريمات لأسماء وازنة، وعروضاً لأفلام مستقلة جريئة، فإن الصحافة هنا مطالبة بأن ترتقي في لغتها. لا يكفي أن نقول “فيلم جيد”، بل يجب أن نقول: “فيلمٌ يشبه صرخةً مكتومة في ليلٍ طويل”.
لعل أغرب ما في تاريخ هذه العلاقة هو أن كبار مخرجي “الموجة الفرنسية الجديدة” (غودار، تروفو) كانوا في الأصل صحفيين ونقاداً في مجلة “كراسات السينما”. لقد أمسكوا الكاميرا لأن القلم لم يعد يكفيهم. وهذه هي الرسالة التي يجب أن نعيها اليوم ونحن نتابع فعاليات المهرجان: النقد ليس عدواً للإبداع، بل هو وجهه الآخر، أو ربما هو “ظله” الذي لا يفارقه.
حينما تغيب الشمس وتستيقظ الشاشة
ونحن نغادر أعزائي هذا النص كما يغادر الجمهور القاعة بعد نهاية فيلم عظيم، تظل الأسئلة معلقة في سماء مراكش: هل السينما مرآة للواقع أم أن الصحافة هي التي تشكل هذا الواقع ليتناسب مع السينما؟
مملكتنا.م.ش.س
![]()



