الحدود البحرية المغربية الإسبانية .. ملف تقني يتحول إلى رهان استراتيجي

الأحد 30 نوفمبر 2025 - 14:03

الرباط – عاد ترسيم الحدود البحرية بين المغرب وإسبانيا إلى صدارة النقاش عقب التقارير الدولية التي أثارت الموضوع ضمن سياقات اعتماد مجلس الأمن للقرار 2797، الذي جدّد التأكيد على مبادرة الحكم الذاتي تحت سيادة الرباط في الصحراء المغربية باعتبارها الحل “الوحيد” للنزاع المفتعل، كما أعاد هذا التطور الدفع بملفات مرتبطة بالجرف القاري والمياه الإقليمية إلى الواجهة، باعتبارهما جزءا من الديناميات التي تعرفها المنطقة خلال الأشهر الأخيرة.

ووفق وسائل إعلام أجنبية فإن الرباط ومدريد لم تتوصلا بعد إلى اتفاق نهائي بشأن ترسيم الحدود البحرية جنوب المغرب، رغم سنوات من الممارسة العملية التي أرست نوعا من الفصل الواقعي بين المناطق البحرية للبلدين دون أن ترتقي إلى خط قانوني ملزم.

وفي قلب هذا الجدل المحتدم يبرز جبل تروبيك، الغني بالمعادن النادرة على غرار التيلوريوم والكوبالت، الذي يمنحه قيمة جيوـاقتصادية عالية في ظل الطلب الدولي المتزايد على الصناعات المرتبطة بالبطاريات والتقنيات الطاقية النظيفة، خاصة مع تعزيز المغرب لترسانته القانونية سنة 2020 بالمصادقة على القانونين 37-17 و38-17 المتعلقين بترسيم حدوده البحرية ومناطقه الاقتصادية الخالصة، والتي تشمل الأقاليم الجنوبية، مع تشديده على مبدأ الإنصاف كمرجع أساسي لأي اتفاق مقبل.

في المقابل، تواصل إسبانيا الدفع نحو توسيع جرفها القاري المحيط بجزر الكناري، في ظل تحفظ مغربي نابع من احتمال التداخل مع الجرف القاري للأقاليم الجنوبية؛ الشيء الذي يجعل هذا الملف واحدا من أكثر الملفات التقنية حساسية بين البلدين.

ومن المرتقب أن يشكل الاجتماع رفيع المستوى بين البلدين، المرتقب انعقاده في مدريد يوم 4 دجنبر المقبل، مناسبة لإعادة طرح هذا الملف ذي الأبعاد الجيوستراتيجية والاقتصادية، للتوصل إلى صيغة توافقية بخصوص الحدود البحرية ضمن أجندات التعاون الثنائي في مجالات الاستثمار والبحث العلمي وحماية البيئة البحرية، فضلا عن التدبير المشترك للملاحة والأمن البحري.

يذكر أن ملف ترسيم الحدود البحرية بين المغرب وإسبانيا لا يمكن فصله عن الرؤية البحرية الشاملة التي تبناها المغرب خلال العقود الأخيرة، والتي بسطها ناصر بوريطة في مؤتمر الرباط غشت الماضي، لأن المملكة المغربية اختارت أن تكون “أمة بحرية” وفق تعبير رئيس الدبلوماسية المغربية الذي أكد حينها أن “المملكة راكمت مسارا طويلا من بناء مؤسساتها البحرية وتحديث ترسانتها القانونية بشكل ينسجم مع اتفاقية 1982، ويجعل من البحر امتدادا لسيادتها ووحدة ترابها، لا مجرد مجال حدودي فقط”.

وتضع هذه الرؤية الحوار والتفاهم والمقاربات الشرعية في صلب معالجة قضية الترسيم البحري، خصوصا مع إسبانيا، حيث يعكس التعاون البحري بين البلدين نضج الشراكة الإستراتيجية والوعي المشترك بأن البحر يمكن أن يتحول من خط فصل إلى جسر تواصل.

فرص التسوية

محمد الغيث ماء العينين، نائب رئيس المركز المغربي للدبلوماسية الموازية وحوار الحضارات، قال إن عودة ملف ترسيم الحدود البحرية بين المغرب وإسبانيا ليست حدثا تقنيا معزولا، بل محطة سياسية مفصلية تأتي في سياق دولي متغير وبُعيد صدور القرار الأممي 2797 الذي ثبّت مبادرة الحكم الذاتي كحل وحيد للنزاع.

وأشار ماء العينين، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، إلى أن هذا التحول “يؤسس لمرحلة جديدة يمكن وصفها بمغرب ما بعد 31 أكتوبر 2025، أي مغرب يمتلك وضوحا سياديا وإطارا مرجعيا أمميا لم يعد يسمح بإعادة تدوير أدوات الضغط القديمة”.

وأضاف المتحدث ذاته أن على إسبانيا أن تستوعب أن مرحلة استخدام ملف الصحراء كورقة ضغط قد انتهت نهائيا، وأن محاولة ربط الخلافات البحرية بحسابات سياسية ظرفية “باتت غير ذات جدوى”، لافتا إلى أن “المغرب رسّم حدوده البحرية عبر قوانين واضحة، ويتحرك اليوم ضمن مسار قانوني مؤسساتي متكامل، من خلال استعداده لتقديم ملف الجرف القاري للجنة الأممية المختصة؛ ما يجعل أي تصعيد غير مبرر خارج منطق العصر قد يرتد سلبا على مدريد قبل غيرها”.

وأوضح الخبير في نزاع الصحراء المغربية أن النقاش الحقيقي يجب ألا ينحصر في جبل تروبيك أو في خطوط إسقاط تقنية، لأن القيمة الاستراتيجية للمنطقة الأطلسية لا تُدار بعقلية المكاسب الصغيرة، بل بمنطق الشراكات الكبرى؛ لأن الموارد المعدنية النادرة والطاقات الجديدة تتطلب استثمارات ضخمة وتكنولوجيا عالية، “ولا يمكن لأي طرف في المدى المنظور أن ينفرد باستغلالها بمعزل عن تعاون ثنائي دائم ومستقر”.

كما نبه محمد الغيث ماء العينين إلى أن أي توتر، ولو محدود بين الرباط ومدريد، سيشكل “نافذة مجانية” لقوى دولية كبرى تبحث عن تعزيز حضورها في الأطلسي؛ مثل الصين والولايات المتحدة التي ترى في المعادن الحرجة والممرات البحرية عناصر رئيسية في صراع النفوذ العالمي، معتبرا أن تحويل الجنوب الغربي لأوروبا إلى ساحة تجاذب خارجي “لن يخدم مصالح أي من البلدين؛ بل سيُضعف قدرتهما على التحكم في مستقبل المنطقة”.

وشدد نائب رئيس المركز المغربي للدبلوماسية الموازية وحوار الحضارات على أن الخيار الاستراتيجي الواقعي والوحيد اليوم هو تثبيت منطق الربح المشترك بين المغرب وإسبانيا، وبناء نموذج شراكة أطلسية طويلة المدى، يحفظ الاستقرار، ويحوّل الملفات التقنية إلى قضايا قابلة للحوار الهادئ بدل التوتر المفتعل، مؤكدا أن “حماية الفضاء الأطلسي تظل مسؤولية مشتركة وليست ترفا دبلوماسيا”.

وخلص ماء العينين إلى أن التحديات الجديدة تُحتّم الانتقال من منطق التنافس إلى منطق التكامل، لأن مستقبل الأطلسي الغربي سيُصنع بالتعاون لا بالاصطفاف، وبالمقاربات الاستراتيجية لا بالمزايدات السياسية، مشددا على أن المغرب اليوم “فاعل بحري صاعد”، وإسبانيا شريك طبيعي، وما يجمع الطرفين أكبر بكثير مما قد تثيره الخلافات التقنية الظرفية.

المصير المشترك

سجل سعيد بوشاكوك، الباحث المهتم بقضايا التنمية والمجال، أن الاجتماع المرتقب للجنة العليا المشتركة بين المغرب وإسبانيا يوم 4 دجنبر 2025 يأتي في ظرفية استثنائية، بعدما رسخ القرار الأممي 2797 الإطار الواضح لتسوية النزاع المفتعل حول الصحراء عبر مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، مؤكدا أن “هذا التطور يضفي على اللقاء طابعا خاصا، خصوصا في ظل الموقف الإسباني الداعم لواقعية هذا المقترح ونجاعته”.

وأضاف بوشاكوك، في تصريح لهسبريس، أن هذا الاجتماع يشكل دليلا إضافيا على متانة العلاقات الإستراتيجية بين الرباط ومدريد، خاصة في مجالات الأمن والاقتصاد والتجارة؛ غير أنه يسلط الضوء أيضا على بعض الملفات العالقة، وفي مقدمتها ترسيم الحدود البحرية، حيث لم يتمكن الطرفان، رغم الممارسة العملية، من تحويل قاعدة الفصل الواقعي بين المياه إلى مرجعية قانونية ملزمة.

وأبرز المتحدث عينه، أن المغرب، الذي صادق سنة 2020 على القانونين 37-17 و38-17 لترسيم مياهه الإقليمية ومنطقته الاقتصادية الخالصة بما يشمل الأقاليم الجنوبية، يبني موقفه على مبدأ الإنصاف كمرجع قانوني؛ وهو ما لا ينسجم مع الطموحات الإسبانية الساعية إلى تمديد جرفها القاري حول جزر الكناري.

وأكد الباحث في خبايا النزاع أن بروز جبل تروبيك كعنصر جيولوجي بالغ الأهمية غيّر طبيعة النقاشات الثنائية، نظرا لما يحتويه من ثروات معدنية استراتيجية، من بينها التيلوريوم والكوبالت اللذين أصبحا في صلب الصناعات الطاقية النظيفة والبطاريات المتقدمة، مشيرا إلى أن “هذا المعطى يفرض على البلدين هندسة مقاربة جديدة تتجاوز الحسابات الظرفية، وتؤسس لشراكة تقوم على العمل المشترك وحسن الجوار”.

واسترسل المحلل السياسي ذاته قائلا: “إن الحفاظ على استقرار العلاقات الثنائية يتطلب إبعادها عن منطق المد والجزر، خاصة مع تنامي أصوات داخل بعض التيارات السياسية الإسبانية—من اليمين واليسار الراديكالي—التي تتبنى مقاربات متباينة قد تُضعف التراكم الإيجابي المحقق”، داعيا إلى “إحياء خلية التفكير المشتركة بين البلدين لضمان معالجة نقاط الخلاف بواقعية وتقريب وجهات النظر بما يخدم الاستقرار الجيوسياسي للإقليم”.

وشدد مصرح هسبريس على أن المحيط الأطلسي بات مجالا استراتيجيا حساسا، وأن التعامل معه يجب أن يستحضر التحولات الجيواقتصادية التي تشهدها المنطقة، لا سيما أمام الاهتمام المتزايد بقيمته المعدنية والطاقية.

وفي هذا السياق، أبرز سعيد بوشاكوك أن دخول أطراف أوروبية أخرى، وعلى رأسها ألمانيا، على خط الاهتمام بجبل تروبيك يؤكد أن من يملك هذه الثروة سيتفاوض من موقع قوة؛ الشيء الذي يجعل التعاون بين المغرب وإسبانيا خيارا ضروريا لحماية مصالحهما المشتركة وترسيخ دورهما الفاعل في المستقبل الأطلسي.

Loading

مقالات ذات صلة

الجمعة 28 نوفمبر 2025 - 18:49

إعادة انتخاب المغرب نائبا لرئيس البرنامج الهيدرولوجي الحكومي الدولي لليونسكو

الجمعة 28 نوفمبر 2025 - 14:24

أديس أبابا .. انطلاق أشغال الندوة الدولية الرابعة لمؤتمر الهيئات القضائية الدستورية الإفريقية بمشاركة المغرب

الجمعة 28 نوفمبر 2025 - 10:04

الرئيس الجديد للأنتربول يتعهد من مراكش بتعزيز التعاون الأمني مع المغرب

الخميس 27 نوفمبر 2025 - 23:20

مراكش .. اختتام أشغال الدورة الـ 93 للجمعية العامة للأنتربول