الولائـــم المخــزنيــة و المـــآدب السلطـــانيـــــة
الطعام طعام، ولكنه عندما يرتبط بقمة السلطة يصبح له بعد آخر يستلزم آلية تحليل متخصصة، وهي ما يسميه ذ. محمد شقير في هذه المحاولة بسوسيولوجيا السلطة، يتحدث فيها عن تقليد المآدب في الآداب السلطانية، ثم يعرج على استعمال الحسن الثاني لمؤهلاته في فنون الطبخ لتوثيق علاقات تبعية النخب لشخصه، كما يبسط طقوس المناسبات الوطنية والدينية في علاقتها بالنخب ورمزية الطعام، فيها مستشهدا بأبعاد سياسية لمائدة الملك من خلال حكاية “ريجيم” السي عبد الرحمن اليوسفي.
يبدو أن سوسيولوجية السلطة بالمغرب ترتكز في استقطاب النخب واستمالة مكوناتها على الإطعام كآلية من آليات التقريب والتقرب. فالقرب من السلطة يعني بالأساس تذوق بعض امتيازاتها، ليس فقط المناصب السياسية والمكاسب المادية، بل أيضا مكاسبها العينية كالتلذذ بأطعمتها وتذوق أشربتها. فالجلوس إلى مائدة السلطان والحضور لبعض المآدب السلطانية هو نوع من التميز تتفرد به النخب التي ينتقيها السلطان وتحظى برضاه.
المآدب السلطانية واستمالة الخاصة
إن استضافة السلطان لأعضاء النخب السياسية أو ما يسمى بالخاصة تعتبر آلية من آليات استقطاب النخب والتحكم في مكوناتها، فاستضافة هذه الشخصية دون أخرى، وتخصيص نخب بدعوات لحضور المآدب، يشكل حظوة لا تمنح إلا للخاصة التي تنفرد باستقبال السلطان والجلوس إلى مائدته.
وبالتالي، فقد كانت هناك مراسيم خاصة تحدد استقبال السلطان لأعضاء الطبقة السياسية وترتيب جلوسهم في مآدبه وموائد طعامه؛ والتي كانت تختلف وتتطور حسب الأسر الحاكمة التي تعاقبت على حكم المغرب.
ففي عهد النظام المريني “كان السلطان يقتبل زواره وهو جالس على عرش منخفض أو بساط أو حصير، وتكون المقابلات غالبا في الصباح وتنتهي في الصباح وتنتهي بمأدبة يشارك فيها خواص رئيس الدولة، كما أن العشاء يشترك فيه الوزراء وكبار الموظفين”.
أما في عهد المنصور الذهبي، فقد كانت مراسيم الاستقبال السلطاني تتم وفق طقوس معينة وصفها الفشتالي كما يلي :
«ومن المآثر التي حسنت فيها أيده الله سيرته وحمدت طريقته تقسيم زمانه إلى أيام الديوان، وهي التي يجلس فيها للجمهور والوفود وأحكام الجند ومناولة أمور المملكة بالنقض والإبرام، وخص بذلك يوم السبت ويوم الاثنين ويوم الأربعاء، وكذا سيرته الكريمة أيده الله في كل يوم منها أن يخرج بعد الفراغ من وظيفته وقراءة ما كان يلازمه من الأوراد على إيوانه الكريم وقت الضحى غالبا وبين يدي حضور الطعام، فيؤذن للناس في الدخول على طبقاتهم وأولا قاضي الجماعة بحضرتهم ثم المفتى بها، ثم من يحضر من كبار الفقهاء ومشيخة العلم، ثم الحاجب وقائد القواد والكتاب ثم سائر أكابر الدولة ورؤساء الأجناد ووجوه الناس على طبقاتهم، وعلى حسب مراتبهم، فيأخذون مجالسهم بين يديه ثم يومر بالطعام فيؤتى به ويشرع الباب للداخلين ويغص الإيوان بالخلق ويواكل بيده أيده الله بقية الأمراء الكرام ومن يخص من القرابة وكبار العلماء الذين سميناهم آنفا يوثرهم بذلك إجلالا للعلم وتعظيما لأهله، فإذا أكل وضعت موائده أيده الله بين يديه وينادي بأهل البساط وأكابر الدولة للأكل منها تشريفا وتنويها ثم تتبع بجفان جمة وموائد أخرى متتالية.
ويدعى سائر الناس إليها طبقة ومائدة إثر مائدة حتى يكتفى جميع الحاضرين ويفضل من الطعام ما يكفي أكثر من ذلك، وكان أيده الله يعجبه الأكل بيديه ويدعو إليه وينقبض لانقباضهم عن القيام للأكل، وربما عنف على ذلك بالقول شيمة حسنة وخلق كريم في الفضل فإذا قضى ذلك وقام ودخل وأفاض ذلك الحجيج وانصرف الجم الغفير لمنازلهم وجلس أهل الإيوان وأرباب المناصب وأكابر الدولة الذين عليهم مدار الأمور يرقبون خروج أمير المؤمنين ثانيا فإذا حان وقت الزوال أو كاد يخرج للجلوس وابراسيم.
أمور ملكه وسلطانه فيحضر خواص بساطه الكريم وكاتب سره ويناوله ما ورد على أبوابه الكريمة من الكتب من سائر الأقطار لكتب ما يخصه منها وتفريق غيره على الكتبة وتعرض عليه القضايا ومهمات الملك ثم يؤذن لسائر الأكابر والكتاب وأولي المناصب في الدخول فيأخذ عند ذلك أيده الله في العلامة إن كان اليوم يومها فتارة بيده الكريمة إن كانت الكتب أجوبة أو ظهائر، وتارة بالطابع إن كانت مظالم أو براوات الأشغال والعطاء أن يأخذ في إملاء الأجوبة على الكتبة أو في سماع ما يرفعه أهل الديوان من المسائل مناوبة يستمر على ذلك حتى يصلي الظهرين غالبا يوم الناس فيهما فيدخل إلى قصره أيده الله، ويتفرق الديوان، وهذا أيده الله دأبه غالبا في الحضر والسفر وربما عرض له مايوجب انقباضه عن الخروج للغداء فيستنيب ولده الأعز عليه والمترف بالسكنى لصقة في حضرته المولى أبا فارس أعزه الله عند مغيب شقيقه ولي عهد أمير المؤمنين وخليفته من بعده وكبير بنية الأمراء الكرام المولى الأمير الإمام الأعظم أبي عبد الله محمد الشيخ المأمون بالله أعزه الله تعالى والى أيام الراحة وهي التي تتخلل أيام الديوان لا يحضرها إلا الندمان من الخاصة أو من ينادى من غيرهم لخدمة تعرض أو مشورة تتعين إن كان من أهلها».
مملكتنا.م.ش.س/الأيام 24







