الرباط ــ ألقت المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج حجرا ثقيلا في بركة السجون وواقعها بالمملكة، وذلك بعدما أعلنت تسجيل أرقام قياسية تعمق من حدة ظاهرة الاكتظاظ بسبب تزايد أعداد سجناء الاعتقال الاحتياطي، وهي المسألة التي تجر على البلاد انتقادات حقوقية من طرف المنظمات الدولية بشكل دوري.
الموقف الذي عبرت عنه مندوبية السجون استدعى الرد من طرف جمعيات وهيئات القضاة، الذين اعتبروا أنفسهم معنيين مباشرة ببيان المندوبية، التي ألقت كرة اكتظاظ السجون في ملعبهم، معتبرين الأمر نوعا من التدخل في شؤونهم ومحاولة التأثير على قراراتهم والأحكام التي يصدرونها.
رئاسة النيابة العامة بدورها دخلت على الخط، واتخذت موقفا وسطا من الموضوع، ودعت إلى عقد لقاء خلال شهر شتنبر المقبل، يجمع المؤسسات والجهات المعنية لمناقشة موضوع الاكتظاظ في السجون، وتدارس الآراء والمقترحات والإمكانيات المناسبة لتجاوز الصعوبات والإكراهات التي ترتبط بتدبير الاعتقال الاحتياطي ووضعية المؤسسات السجنية.
نقاش في محله
النقاش الدائر بين المؤسسات حول وضعية السجون الذي أثاره المندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج، محمد صالح التامك، اعتبره الحقوقي محمد النشناش نقاشا في محله، مؤكدا أن المنظمات الحقوقية “منذ عشرات السنين وهي تدعو إلى أنسنة السجون”.
وأضاف النشناش في حديث مع هسبريس: “نلاحظ أن الاكتظاظ راجع لأن 50 بالمائة من السجناء معتقلون احتياطيون وأبرياء حتى تثبت إدانتهم، وفي غالب الأحيان تكون بعض الأحكام بسيطة في حقهم أو يكونوا أبرياء”، معتبرا أن هذا الأمر “يمس حق الإنسان في حريته”.
وأفاد المتحدث ذاته بأن “الازدياد المستمر للاعتقال الاحتياطي يكلف الدولة ملايين كثيرة، ويفرض على إدارة السجون بناء مؤسسات سجنية جديدة، ويمس كرامة المواطنين داخل هذه السجون”، لافتا إلى أنه “في العالم المتحضر أصبحت السجون منعدمة، لأنهم يركزون على التربية قبل كل شيء، والعقوبات البديلة عوض الاعتقال والسجن كما هو الحال في المغرب”.
سجون جديدة
شدد الحقوقي النشناش على أن “مشكلة المغرب ليست في بناء سجون جديدة، لأن الأمور لا تتوقف، وإذا استمرت البلاد على هذا الحال سنصبح بمئات السجون في كل منطقة من مناطق المملكة”، مطالبا بـ”مراجعة المسطرة الجنائية والقانون الجنائي حتى لا يقع الإنسان في السجن لأمور لا تمس بالأمن العام ولا السلامة الجسدية للمواطنين ولا تهدد الاستقرار في البلاد”.
كما أشار النشناش إلى أن “الدول المتقدمة يتابع فيها المواطنون بأحكام بديلة لخدمة الصالح العام، وليس بصفة مبدئية أي مخالفة توجب السجن، فمن سرق خبزة لا يمكن مساواته بمن سرق أموال الشعب وخرب الممتلكات”، موضحا أن “المجتمع والدولة مسؤولان عن الواقع، ولا يمكن أن تحل هذه المشاكل عبر كثرة الاعتقالات وبناء السجون، لأن الوضع الاقتصادي والاجتماعي يؤثر”.
من جهته، اعتبر المحلل السياسي محمد شقير أن الإشكال الأساس في الملف مرتبط بـ”إعادة إصلاح المنظومة الجنائية، بما فيها المسطرة الجنائية والقانون الجنائي، لأنهما كانا أمام البرلمان وجاءت حكومة أخنوش مع وهبي وسحبتهما من جديد لإعادة النقاش فيهما”.
الاكتظاظ مسيء للمغرب
وقال شقير في تصريح لهسبريس إن النقاش الجاري بين المؤسسات يركز على “مشكل أساسي هو الاكتظاظ، ومن الناحية السياسية والحقوقية يسيء إلى المغرب وصورته الحقوقية”.
وأضاف المتحدث ذاته أنه “من الناحية الاجتماعية يؤدي الاكتظاظ إلى عدة مشاكل وسط النزلاء داخل المؤسسات السجنية، ومن ناحية السياسة الجنائية لا يساعد على إعادة تأهيل السجناء”، مبرزا أن “جل تقارير الهيئات الحقوقية العالمية تنتقد الاكتظاظ وتؤكد أنه يسيء إلى مسألة حقوق الإنسان، وينتهك حقوق النزلاء كمواطنين فرض عليهم قضاء مدد مختلفة داخل السجن”.
وتابع المحلل السياسي ذاته بأن “السجون المغربية في بعض الأحيان لا تستجيب للمتطلبات والحقوق التي ينص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان”، مسجلا أن النقاش الذي أثارته المندوبية “نقاش صحي ومثمر أدى في آخر المطاف بالنيابة العامة في بيانها الأخير إلى الإشارة إلى ضرورة عقد اجتماع بين كل المكونات القضائية والسجنية للتباحث في هذا الأمر”.
وزاد شقير موضحا أن هذه المسألة “صحية ومهمة، لأنها تثير إشكالا أساسيا يرتبط بالاكتظاظ وبالمسائل التي تؤدي إليه، ومن بينها مسألة اعتبار الاعتقال الاحتياطي كآلية أساسية للاعتقال والتعامل مع الجريمة، في حين أنه يبقى من بين آخر الآليات التي ينبغي اللجوء إليها”.
وأشار المتحدث عينه إلى أن “كلام المندوبية دفع بهيئة القضاة إلى اعتبار ما جاء فيه نوعا من التأثير على القضاة، وتدخلا في استقلاليتهم القضائية، ما دفع النيابة العامة إلى التدخل ومحاولة التخفيف من حدة هذا التوتر، وأخذ العصا من الوسط إلى حين عقد اجتماع لتدارس الأمر في شتنبر المقبل”.
وخلص المصرح عينه إلى أن “إشكال الاكتظاظ في السجون يمس في العمق المنظومة الجنائية في المغرب، وآن الأوان ليتم تعديلها والتعامل معها بشكل أكثر تناسبا مع الأوضاع الحالية، واعتبار أن الاعتقال لا يشكل الآلية الوحيدة في التعامل مع الجريمة”، معربا عن أمله في أن يأتي اللقاء المرتقب بـ”توصيات وملاحظات تهيئ للتباحث والنقاش حول المنظومة الجنائية في السنة التشريعية المقبلة بالبرلمان”.
مملكتنا.م.ش.س/وكالات
![]()








