محمود هرواك
لم يكن يدور في خلد مئات الشباب المغاربة وهم يحزمون حقائبهم قبل سنوات نحو جامعات قبرص الشمالية، أن رحلة البحث عن العلم ستنتهي بهم وقوفا على أرصفة الانتظار، لا هم نالوا عنب الشام، ولا هم سلموا من أشواك البيروقراطية في وطنهم؛ فهذه القضية التي بدأت كملف إداري روتيني، تحولت اليوم في غفلة من الزمن وفي ظل صمت مطبق من “الجهات الوصية”، إلى مأساة إنسانية مكتملة الأركان، تضرب بعنف في جدار الثقة بين الطالب ومؤسساته الرسمية.
إن ما يجري في دهاليز وزارة التعليم العالي والبحث العلمي من تسويف ومماطلة في معادلة شهادات هؤلاء الخريجين، ليس إجراء إداريا بطيئا، بل هو أشبه بعملية “وأد” سادي لطموحات جيل آمن بأن العلم لا وطن له، وأن الشهادة الجامعية هي جواز المرور الآمن نحو المستقبل، فإذا بهم يصطدمون بواقع أغرب من الخيال، حيث تُقابل سنوات السهر والكد والتحصيل الأكاديمي في جامعات مشهود لها بالكفاءة الدولية، بقرار “وقف التنفيذ” غير المعلن، وكأن الوزارة قررت فجأة أن تعاقب هؤلاء على اجتهادهم، أو كأنها تطلب منهم دفع ضريبة لقرارات لم يتخذوها وأخطاء لم يرتكبوها.
ولعل العجب لا ينقضي حين نعلم أن هؤلاء الطلبة لم يركبوا البحر خلسة، ولم يطرقوا أبواب جامعات وهمية في الظلام، بل استندوا في خياراتهم المصيرية إلى ما كان متداولا وموثقا، وإلى سوابق إدارية كانت تشرع الأبواب، وإلى نصوص نشرت يوما في “الجريدة الرسمية” فاعتبروها ميثاق شرف لا يأتيه الباطل، ليفاجأوا اليوم بأن القواعد قد تغيرت في منتصف اللعبة، وأن سيف “الأثر الرجعي” مسلط على رقاب مستقبلهم، في سابقة قانونية وأخلاقية تتنافى مع أبسط قواعد العدالة التي تقتضي أن القانون لا يسري إلا على ما يليه، لا على ما سبقه من مراكز قانونية استقرت في ذمم أصحابها.
إن المشهد اليوم يدعو للرثاء بقدر ما يدعو للغضب؛ شباب في عمر الزهور، يحملون شهادات عليا في تخصصات دقيقة، يجدون أنفسهم عالقين في منطقة “اللاوزن”، فلا هم طلاب يدرسون، ولا هم موظفون يعملون، بل ضحايا لغموض إداري لا يفسر ولا يبرر، يطرقون الأبواب فتصدهم لغة الخشب، ويراسلون المسؤولين فلا يرجع إليهم الصدى إلا هواءً، وكأن هناك من يتعمد ترك هذا الملف يتعفن في أدراج النسيان، متجاهلا أن وراء كل ملف قصة كفاح، وحلم عائلة، ومستقبلا مهددا بالضياع.
وأمام هذا الجدار الأصم، وهذا التجاهل الذي يسكب الزيت على نار القلق، لم يجد هؤلاء الخريجون ومعهم الطلبة الذين ما زالوا على مقاعد الدراسة، بُداً من النزول إلى الشارع، لعل الصوت يصل حيث عجزت المراسلات؛ فقد عزم المتضررون على تنظيم وقفة احتجاجية يوم الأربعاء المقبل من شهر فبراير 2026، في خطوة تصعيدية مشروعة، لا تهدف إلا لانتزاع حق أصيل كفله الدستور والقانون، وهي صرخة في وجه الصمت، ورسالة واضحة بأن سياسة “النعامة” لن تجدي نفعا مع أصحاب الحقوق، وأن استمرار التحاق أفواج جديدة من الطلبة بنفس الجامعات دون تحذير رسمي أو توضيح للمآلات، هو تضليل لا يليق بمؤسسة مؤتمنة على مستقبل أبناء الوطن.
إن الحل لا يحتاج إلى عصا سحرية، ولا إلى لجان تنبثق عنها لجان لتدفن الحقيقة، بل يحتاج إلى “جرة قلم” جريئة وقرار مسؤول يعيد الأمور إلى نصابها، يعتمد معادلة الشهادات وفق المعايير التي كانت سائدة حين التحق هؤلاء بدراستهم، ويفتح صفحة جديدة عنوانها الوضوح والشفافية؛ فهل يعقل أن يظل مصير الآلاف معلقا بمزاجية إدارية؟ وهل يرضى عاقل أن يتحول الاستثمار في العلم إلى كابوس يؤرق مضاجع الأسر؟ إن الأربعاء القادم ليس مجرد موعد في التقويم، بل هو اختبار لمصداقية الوزارة، وفرصة أخيرة لتدارك ما يمكن تداركه قبل أن يتحول الاحتقان إلى ما لا تحمد عقباه، وقبل أن نكتب بأيدينا شهادة وفاة لأحلام جيل لم يذنب إلا أنه أراد أن يتعلم.
مملكتنـــــــا.م.ش.س
![]()








