آخر الأخبار

  • الدورة الثانية لسباق المنطقة الحرة لطنجة تستقطب أزيد من 2000 مشارك

  • خنيفرة .. إقصائيات جهوية للبطولة الوطنية لألعاب المؤسسات والمراكز الاجتماعية

  • فيلاريال تحتضن القنصلية المتنقلة .. خدمات قنصلية متنوعة وتقريب فعلي للإدارة من الجالية

  • سانشيز يرفض شراكة أوروبا مع إسرائيل

  • تنغير .. السيد التهراوي يطلق خدمات 19 منشأة صحية موزعة على أربع جهات

  • ارتفاع الصادرات التركية نحو المغرب يضع اتفاقية التبادل الحر تحت المجهر

مقصلة الذاكرة وسقوط إمبراطورية الرمل .. كيف كتبت زينب العدوي السطر الأخير في رواية عزيز أخنوش ؟

محمود هرواك

لم تكن حكاية سقوط عزيز أخنوش وليدة صدفة عابرة أو تعثر لحظي في دهاليز السياسة، بل كانت فصلا طويلا من فصول “التأديب المؤسساتي” الذي خُطت سطوره الأولى بحبر من نار، وظل يتخمر على مهل في مطابخ “الدولة العميقة”، تلك الدولة التي لا تنام، ولا تغفر، ولا تنسى، والتي انتدبت لها سادنة أمينة، امرأةً بقلب من فولاذ وعين لا ترف، تدعى زينب العدوي؛ ففي الوقت الذي كان فيه “قيصر المال” يظن أنه يُشيّد مملكته الخاصة فوق رمال المناصب، كانت هي، بصمت الرهبان وصرامة القضاة! تنسج له “قميص العزل” من خيوط أخطائه المتراكمة، ليكون المشهد الختامي، الذي عشنا تفاصيله الدرامية، مجرد توقيع نهائي على حكم صدر مع وقف التنفيذ منذ زمن بعيد، وتحديدا منذ تلك الظهيرة القاسية في “تغازوت”.

لنعُد بعقارب الزمن إلى الوراء، لنفهم كيف تحولت هذه السيدة إلى “لعنة” طاردت أخنوش في حله وترحاله؛ ففي شتاء عام 2020، حينما امتدت يد الجشع لتعبث بالخريطة المقدسة لخليج “تغازوت”، وتجرأت “ماكينة الإسمنت” التابعة للملياردير على قضم المحرمات العقارية وتشويه الرؤية الملكية، لم يكن الغضب الملكي حينها رد فعل انفعالي، بل كان إيذانا بانطلاق “المحاكمة الصامتة”، وقتها، برزت العدوي كرسول العاصفة! حيث إضافة للمعاينة الدقيقة حدَثَ أن حولت الركام الذي خلفته الجرافات إلى وثائق إدانة دامغة، مثبتةً أن من يجرؤ على “خيانة التصميم” الهندسي الذي صادق عليه الملك، لن يتوانى عن “خيانة التصميم” السياسي للدولة برمتها، وكان ذلك التقرير الأسود أول مسمار يُدق في نعش الثقة، وأول جرح غائر في كبرياء الرجل الذي اعتقد أن ماله شفيع لزلاته، فلم يُدرك أن في عرف المخزن العتيد، هناك خطوط حمراء لا تمحوها المليارات، وأن المرأة الجالسة على كرسي الحسابات قد بدأت لتوها في شحذ سكين القانون.

ومرت الأيام، واعتلى أخنوش صهوة رئاسة الحكومة، مزهوا بانتصار انتخابي ظنه درعا واقيا، لكنه لم ينتبه إلى أن “اللعنة” كانت تلاحقه كظله؛ ففي كل محطة كان يتعثر فيها، كانت العدوي تطل برأسها من شرفة المجلس الأعلى، لا لتشمت، بل لتوثق، فمن “نكسة الماء” وجفاف السدود التي عرت سوأة السياسات الفلاحية التي هندسها لعقد من الزمن، مرورا بزلزال الحوز الذي كشف عن هشاشة “المغرب المنسي” الذي غاب عن برامج “مخططاته الخضراء”، وصولا إلى لهيب الأسعار الذي أحرق جيوب البسطاء؛ في كل هذه المنعطفات، كانت تقارير المجلس تخرج بلغة مشفرة، تتحدث عن غياب النجاعة وضبابية الرؤية، وهي مفردات مهذبة في القاموس الإداري، لكنها في قاموس الحكم تعني بكل وضوح “لفشل الذريع وانعدام الكفاءة، وكان أخنوش، في غمرة اعتداده بنفسه وإحاطة نفسه ببطانة “تُزين له السوء”، يتجاهل تلك الإشارات، معتقدا أن “التقنوقراطية” واللغة الخشبية كفيلة بامتصاص الغضب، غير مدرك أن العداد كان يدور، وأن رصيد الصبر بدأ ينفد.

ثم جاءت “القنبلة” الأخيرة، تلك التي فجرتها زينب العدوي مؤخرا تحت قبة البرلمان، في مشهد سيبقى خالدا في أنطولوجيا العمل السياسي المغربي؛ فبصوت هادئ يحمل نبرة التحذير النهائي، وقفت لتعلن عن “الخطيئة الكبرى” التي لا تغتفر: “عدم استكمال المشاريع الاستراتيجية التي قُدمت أمام الملك”، كانت هذه العبارة بمثابة رصاصة الرحمة التي استقرت في قلب الحكومة، فقد كشفت العدوي، بالأرقام والتواريخ، عن وجود هوة سحيقة بين ما يُقال في “الطقوس الرسمية” وبين ما يُنجز على أرض الواقع، وفضحت كيف تحولت بعض الأوراش الملكية إلى “أطلال” أو مشاريع معلقة في رفوف التسويف، في إشارة مباشرة إلى أن رئيس الحكومة قد نكث بـ “العهد الغليظ”، وأن الالتزام أمام الملك ليس بروتوكولا، لأنه الميثاق الأكثر قدسية، ومن يخل به، فقد حكم على نفسه بالإعدام السياسي؛ كان تصريحها هذا بمثابة “إعلان وفاة” إكلينيكية للحكومة قبل صدور شهادة الوفاة الرسمية، حيث عرت الوهم الذي باعه أخنوش للمغاربة، وأثبتت أن “دولة البيانات” التي يتشدق بها ليست سوى سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء.

واهم إذن من كان يحسب أن العدوي في تلك اللحظة تتحدث بلسانها! ذلك لأنها كانت صدىً لغضبة الدولة؛ تلك الأخيرة التي ضاقت ذرعا بأسلوب التاجر في تدبير الإمارة، فقد وضعت الإصبع على الجرح النازف: كيف لبرامج الحماية الاجتماعية أن تتعثر؟ وكيف لصفقات المونديال أن تحوم حولها شبهات البطء والغموض؟ وكيف للاستثمار أن يظل حبيس الوعود الجوفاء؟ لقد رسمت بكلماتها الدقيقة سيناريو النهاية جاعلة من أخنوش يبدو وكأنه قبطان يقود سفينة مثقوبة وسط طوفان من الأزمات، بينما هو منشغل بترتيب أرباح شركاته؛ وهكذا، تضافرت خيوط القدر: “ماضي تغازوت” الذي لم يُنسَ، و”حاضر الفشل” الذي عُرّي أمام الملأ، ومستقبل المساءلة الذي لوحت به العدوي، ليشكلوا جميعا طوقا خنق الطموح السياسي للرجل، وجعله يدرك، في لحظة صفاء متأخرة يوم رحيله، أن هذه المرأة لم تكن عدوة شخصية، بل كانت “حارسة المعبد” التي أوكلت إليها مهمة تطهير الساحة من الدخلاء الذين ظنوا أن الدولة غنيمة وليست أمانة!

وها هو عزيز أخنوش يغادر المشهد، يجر أذيال الخيبة، تاركا خلفه إرثا من الفرص الضائعة والوعود المتبخرة بينما تظل زينب العدوي، وفية لموقعها، شاهدة على عصرٍ حاول فيه المال أن يطغى على السياسة، فتصدت له هيبة المؤسسات بلغة القانون وسوط الرقابة، لتُكتب في التاريخ عبرةً لمن يعتبر: أن في هذا البلد، مهما علا شأنك وتضخمت ثروتك، فإنك تظل صغيرا جدا أمام “عين الدولة” التي لا تنام، وأمام ميزان الحساب الذي لا يحابي، والذي كان هذه المرة، وبامتياز، ميزانا أمسكت كفتيه امرأة لم ترتعش يدها وهي توقع وثيقة السقوط المدوية.

مملكتنا.م.ش.س

Loading

اقرأ أيضا
  • الدورة الثانية لسباق المنطقة الحرة لطنجة تستقطب أزيد من 2000 مشارك

    مملكتنا/
    أبريل 19, 2026
  • خنيفرة .. إقصائيات جهوية للبطولة الوطنية لألعاب المؤسسات والمراكز الاجتماعية

    مملكتنا/
    أبريل 19, 2026
  • فيلاريال تحتضن القنصلية المتنقلة .. خدمات قنصلية متنوعة وتقريب فعلي للإدارة من الجالية

    مملكتنا/
    أبريل 19, 2026
أخبار آخر الساعة
  • الدورة الثانية لسباق المنطقة الحرة لطنجة تستقطب أزيد من 2000 مشارك

  • خنيفرة .. إقصائيات جهوية للبطولة الوطنية لألعاب المؤسسات والمراكز الاجتماعية

  • فيلاريال تحتضن القنصلية المتنقلة .. خدمات قنصلية متنوعة وتقريب فعلي للإدارة من الجالية

  • سانشيز يرفض شراكة أوروبا مع إسرائيل

مقصلة الذاكرة وسقوط إمبراطورية الرمل .. كيف كتبت زينب العدوي السطر الأخير في رواية عزيز أخنوش ؟