آخر الأخبار

  • الدورة الثانية لسباق المنطقة الحرة لطنجة تستقطب أزيد من 2000 مشارك

  • خنيفرة .. إقصائيات جهوية للبطولة الوطنية لألعاب المؤسسات والمراكز الاجتماعية

  • فيلاريال تحتضن القنصلية المتنقلة .. خدمات قنصلية متنوعة وتقريب فعلي للإدارة من الجالية

  • سانشيز يرفض شراكة أوروبا مع إسرائيل

  • تنغير .. السيد التهراوي يطلق خدمات 19 منشأة صحية موزعة على أربع جهات

  • ارتفاع الصادرات التركية نحو المغرب يضع اتفاقية التبادل الحر تحت المجهر

ماذا بعد النسوية الاستهلاكية ؟ تحطيم أصنام الثامن من مارس الفلكلورية

محمود هرواك

في مسرحنا المجتمعي المضاء بمصابيح النفاق الفسفورية، يُرفع الستار سنويا عن مسرحية الثامن من مارس، لا لتدشين فجر الانعتاق، بل لتجديد طقوس الوثنية الذكورية المقنعة بزهور باهتة وابتسامات معلبة. إننا لا نحتفي بالمرأة، بل نقف في طابور طويل لنرمي شظايا اعتذار زائف في وجه كائن نحتناه من طين التناقضات؛ كائن نقدسه في قصائد الشرف ونصلبه يوميا على مقصلة الأعراف. دعونا ننزع اليوم هذه الأقنعة الاحتفالية السمجة، ونكسر مرايا الوهم التي تعكس صورة مجتمع يعتقد أنه يركض نحو الحداثة، بينما هو في الحقيقة يركض بخطى حثيثة داخل عجلة “هامستر” تاريخية، حيث كل قفزة قانونية إلى الأمام تقابلها ردة نفسية إلى عصور الحريم. هذا ليس نصا للتهنئة، بل هو مشرط بارد نضعه على جسد مجتمعي مسجى على طاولة التشريح، لنفكك شيفرة هذا الخراب الأنيق، ونقرأ طالعنا المشؤوم والمأمول في آن واحد.

في لجة هذا الزمن الاستهلاكي المعولم، وحيث تتكلس التواريخ وتتحول إلى أرقام باردة على روزنامة العادة، يطل الثامن من مارس كمرآة عاكسة، لا لنحتفل طربا بما أُنجز، بل لنقف عراة أمام حقيقتنا المجتمعية. إن القضية النسائية في المغرب لا يمكن أن تُقرأ اليوم من خلال قصاصات الجرائد التي تحتفي بنجاحات استثنائية أو تعديلات قانونية فوقية، بل يجب أن تُقرأ كـ “طرس” تاريخي، حيث تُكتب نصوص الحداثة الهشة فوق مخطوطات بطريركية عتيقة لم تُمحَ بالكامل. إننا أمام جغرافيا مجتمعية معقدة، تقف فيها المرأة المغربية على عتبة ممزقة بين إرث الرياض المغلق المليء بالهمسات والمحظورات، وبين الشارع المفتوح الذي يطالبها بأن تكون ترسا فاعلا في آلة الإنتاج الرأسمالية. هذا التمزق ليس انتقالا سوسيولوجيا، بل هو حالة من الشيزوفرينيا المجتمعية التي نرفض الاعتراف بها؛ مجتمع يطالب المرأة بأن تقتحم سوق العمل بشراسة الرجل، وأن تعود في المساء لتلبس جلباب الخضوع والطاعة وكأنها لم تبرح الخيمة قط.

إذا ما تجاوزنا سطح الخطاب الرسمي الذي دأب على اجترار مصطلحات “التمكين” و”مقاربة النوع”، وغصنا بمشرط النقد السوسيولوجي والسياسي في العمق، سنجد أن السلطة الأبوية في المغرب لم تندثر، بل قامت فقط بتحديث آلياتها. في الماضي، كانت السلطة تمارس إقصاء ماديا ومكانيا (الحريم المكاني كما وصفته فاطمة المرنيسي)، أما اليوم، فقد تحول هذا الإقصاء إلى عنف رمزي بورديوي بامتياز. لقد خرجت المرأة إلى الفضاء العام، نعم، لكن الفضاء العام نفسه لا يزال مُمَسْكَنًا، تحكمه هندسة ذكورية ترى في الجسد الأنثوي “عورة” متحركة يجب ترويضها أو استهلاكها. إن التغيرات المجتمعية التي نشهدها، من ارتفاع نسب التعليم وتأخر سن الزواج وتعديلات مدونة الأسرة، هي في جوهرها انتصارات تكتيكية، لكنها غالبا ما تصطدم بمدونة العقل الباطن! فما نفع أن نكتب قوانين الأسرة بماء الذهب، إذا كانت الأعراف تُسبك من رصاص!؟ إن القانون يمنح الحق، لكن المجتمع يعاقب على ممارسته، وهنا تتجلى أعمق أزماتنا السياسية والنفسية: نحن نعيش في دولة مؤسسات تحاول جاهدة اللحاق بركب الكونية، لكننا نسكن في مجتمع يحرس أصنامه بخوف مرضي من الانهيار.

إن النقد النفسي والسياسي الجريء يحتم علينا أن نعترف بأن قضية المرأة ليست قضية المرأة وحدها، بل هي العرض الأبرز لمرض أعمق يضرب بنية العقد الاجتماعي بأسره. لا يمكن تحرير المرأة في مجتمع لم يحرر الفرد (ذكرا كان أو أنثى) من سطوة الوصاية بجميع أشكالها، سواء كانت وصاية دينية، سياسية، اقتصادية، أو ثقافية. إن النسوية المغربية في نسختها الاستهلاكية التي تكتفي بالمطالبة بالمناصفة داخل نفس الهياكل المهترئة، تمارس دون أن تدري عملية إعادة إنتاج للنظام الأبوي نفسه. فالمطالبة بنصف الكعكة في نظام مبني على الريع وانعدام تكافؤ الفرص، هو مجرد دمقرطة للظلم! الجرأة الحقيقية لا تكمن في أن تجلس المرأة على كرسي السلطة لتمارس نفس الاستعلاء الذكوري، بل في تفكيك بنية السلطة ذاتها التي خُلقت على مقاس القهر. المرأة المستقبلية التي نستشرفها لا تبحث عن مساواة سيزيفية تجعلها نسخة مشوهة من الرجل، بل تسعى لتأسيس باراديغم جديد، يعيد تعريف القوة بعيدا عن العضلات والمال، ويعيد تعريف النجاح بعيدا عن الاستغلال.

ومن زاوية التحليل النفسي المجتمعي، لا يمكن إغفال كيف تحول جسد المرأة المغربية إلى صندوق أسود تُودع فيه الأمة كل تناقضاتها وعقدها المتعلقة بالشرف (الحشومة). الرجل المقهور اقتصاديا وسياسيا، والذي يُسحق يوميا تحت عجلات التضخم والتهميش، غالبا ما يبحث عن مساحة صغيرة يمارس فيها سيادته المفقودة، وللأسف، لا يجد أمامه سوى جسد المرأة وحريتها ليمارس عليهما تعويضا نفسيا بائسا. ومن هنا، فإن العنف ضد النساء لا يمكن اعتباره حوادث معزولة، بل هو لغة مجتمع فقد القدرة على التعبير عن إحباطاته إلا من خلال جلد الحلقة التي يعتقد أنها الأضعف. بل والأدهى من ذلك، هو تلك الظاهرة النفسية المعقدة حيث تتحول بعض النساء، تحت وطأة الاستلاب الطويل، إلى حارسات أشداء لزنزانتهن، يمارسن الرقابة والقمع على بنات جنسهن نيابة عن الرجل، في تماه تام مع الجلاد يذكرنا بمتلازمة ستوكهولم الثقافية.

ونحن نستشرف المستقبل، بعيدا عن خطابات التظلم أو الاحتفاليات الفلكلورية التي توزع فيها الورود في الثامن من مارس لتُسحب في التاسع منه، يجب أن ندرك أن المعركة القادمة للمرأة المغربية هي معركة السيادة المعرفية والوجودية؛ فالمستقبل لن يُصنع بقرارات تُمنح كمنحة من سلطة ذكورية متفضلة، بل سيُنتزع عبر خلق وعي جمعي يدرك أن البيولوجيا ليست قدرا حتميا، وأن الأنوثة والذكورة مجرد بناءات سوسيولوجية يمكن، بل ويجب، تفكيكها وإعادة تركيبها بما يخدم كرامة الإنسان. المغرب الآتي، إذا ما أراد النجاة من طاحونة التخلف، يحتاج إلى ثورة هادئة ولكن جذرية في مفاهيم الدين وعلاقته بالمرأة، الرعاية، العمل، الأسرة، والسلطة؛ ثورة تجعل من قضية المرأة مقياسا لمدى تحضر الدولة والمجتمع، لا ورقة تُستخدم لتلميع الواجهة الدبلوماسية في المحافل الدولية. إن تحرر المرأة هو الممر الإجباري لتحرر المجتمع بأكمله، فكما لا يمكن لطائر أن يحلق بجناح مكسور، لا يمكن لوطن أن يعانق سماء المستقبل ونصفه مكبل بسلاسل الماضي التي نصرّ على تسميتها، زورا وبهتانا “تدينا”!

يجب أن ندرك بيقين مرعب أن النظام الأبوي، بكل جبروته التاريخي وترسانته النفسية، ليس سوى نجم آيل للأفول، يشتد توهجه العنيف والمدمر قبيل لحظة الانفجار الكوني! أما المرأة المغربية القادمة من رحم هذا المخاض العسير لن تنتظر ثامن مارس لتتلقى وردة تُكفر عن خطايا عام كامل من الإقصاء الرمزي، ولن تقف في طوابير الاستجداء لتطالب بحصة أو “كوطا” داخل مقبرة سياسية واجتماعية. إنها الطوفان القادم الذي لن يكتفي بإعادة ترتيب أثاث البيت القديم، بل سيهدم جدرانه المتآكلة ليبني سماء بلا سقف. فإما أن يمتلك هذا المجتمع الشجاعة ليكون جزءا من كيمياء هذا الطوفان، وإما أن يبقى حارسا مخلصا لأطلال الماضي، ينتظر أن تجرفه حتمية التاريخ؛ يومها، لن تشفع لنا كل ورود الأرض، ولن يغفر لنا تواطؤنا الطويل مع الجلاد.

مملكتنــــــــــا.م.ش.س/و.م.ع

Loading

اقرأ أيضا
  • الدورة الثانية لسباق المنطقة الحرة لطنجة تستقطب أزيد من 2000 مشارك

    مملكتنا/
    أبريل 19, 2026
  • خنيفرة .. إقصائيات جهوية للبطولة الوطنية لألعاب المؤسسات والمراكز الاجتماعية

    مملكتنا/
    أبريل 19, 2026
  • فيلاريال تحتضن القنصلية المتنقلة .. خدمات قنصلية متنوعة وتقريب فعلي للإدارة من الجالية

    مملكتنا/
    أبريل 19, 2026
أخبار آخر الساعة
  • الدورة الثانية لسباق المنطقة الحرة لطنجة تستقطب أزيد من 2000 مشارك

  • خنيفرة .. إقصائيات جهوية للبطولة الوطنية لألعاب المؤسسات والمراكز الاجتماعية

  • فيلاريال تحتضن القنصلية المتنقلة .. خدمات قنصلية متنوعة وتقريب فعلي للإدارة من الجالية

  • سانشيز يرفض شراكة أوروبا مع إسرائيل

ماذا بعد النسوية الاستهلاكية ؟ تحطيم أصنام الثامن من مارس الفلكلورية