بوشعيب هارة
بينما تتجه أنظار العالم بقلق نحو مضيق هرمز وتصاعد التوترات الجيوسياسية المرتبطة بإيران، لا تقتصر ارتدادات هذه الأزمات على أسعار النفط والغاز فحسب، بل تمتد لتطال “أمن الموائد” عبر العالم. وفي هذا المشهد الضبابي، يبرز المغرب كواحد من أكبر الرابحين استراتيجياً، محولاً ثروته من الفوسفاط إلى ورقة ضغط ودبلوماسية واقتصاد لا يمكن تجاوزها.
تعد إيران لاعباً أساسياً في سوق الطاقة، وأي اضطراب في منطقة الخليج يؤدي فوراً إلى قفزة في أسعار الغاز الطبيعي، وهو المكون الأساسي لإنتاج الأمونيا (السماد النيتروجيني). هذا الترابط العضوي بين الطاقة والغذاء وضع العالم أمام حقيقة مرة: “الأسمدة هي النفط الجديد”.
ومع تعثر الإمدادات من مناطق النزاع وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين في الممرات الملاحية المضطربة، اتجهت بوصلة الأسواق العالمية نحو “أكثر بقاع الأرض استقراراً” في إنتاج الأسمدة: المملكة المغربية.
يصنف الخبراء الاقتصاديون المغرب حالياً ضمن “الأربعة الكبار” الذين يقودون سوق الأسمدة العالمي بجانب كندا والولايات المتحدة والسعودية. لكن الميزة المغربية تبدو أكثر عمقاً، حيث تسيطر المملكة على قرابة 70% من الاحتياطي العالمي من الفوسفاط.
من خلال “المجمع الشريف للفوسفاط” (OCP)، لم يعد المغرب يكتفي بتصدير المادة الخام، بل تحول إلى أكبر مصنع للأسمدة الفوسفاتية في العالم. هذا التحول سمح للمملكة بامتصاص صدمات الأسعار العالمية وتحقيق أرباح قياسية، حيث تضاعفت العائدات مع ارتقاء أسعار الأسمدة لمستويات غير مسبوقة جراء الأزمات الدولية المتلاحقة.
الربح المغربي ليس مالياً فحسب؛ بل هو “ربح نفوذ”. ففي الوقت الذي تعاني فيه القوى الكبرى من تقلبات السياسة، اختار المغرب استثمار طفرة الأسعار في تعزيز “دبلوماسية الأسمدة”.
في أفريقيا: قدم المغرب مساعدات ضخمة وتخفيضات في الأسعار للدول القارية، مؤمناً بذلك ولاءات سياسية وروابط اقتصادية طويلة الأمد.
في الغرب: أصبح المغرب الشريك الموثوق الذي يضمن عدم انهيار المحاصيل الزراعية في أوروبا والأمريكتين.
لم يكتفِ المغرب بجني ثمار الأزمة الحالية، بل بدأ في التحوط للمستقبل. فبسبب ارتباط أسعار الأسمدة بالغاز (الذي يتأثر بحروب الشرق الأوسط)، أطلق المغرب استثمارات ضخمة في “الأمونيا الخضراء” المعتمدة على الهيدروجين والطاقات المتجددة.
الهدف واضح: فك الارتباط نهائياً بتقلبات أسواق الغاز العالمية وجعل الأسمدة المغربية “الأكثر تنافسية والأقل تأثراً بالحروب”.
إن ارتفاع أسعار الأسمدة جراء التوترات الدولية وضع المغرب في قلب “الأمن القومي العالمي”. وإذا كان النفط هو محرك القرن العشرين، فإن الفوسفاط هو ضمانة البقاء في القرن الحادي والعشرين. وبينما تنشغل القوى الإقليمية بالنزاعات العسكرية، يواصل المغرب بهدوء ترسيخ مكانته كـ “قوة عظمى زراعية” لا يمكن للعالم أن يأكل بدون رضاها.
المغرب يملك 50 مليار طن من إحتياطي صخور الفوسفاط، و يعتبر هو المصدر الأول عالمياً للفوسفاط الخام وحمض الفوسفوريك، و يطمح لرفع إنتاجه من الأسمدة إلى 15 مليون طن سنوياً لمواجهة الطلب العالمي المتزايد.
مملكتنــــــــــــــا.م.ش.س
![]()








