في أول تعليق رسمي من الولايات المتحدة الأمريكية على الهجمات التي استهدفت محيط مدينة السمارة، أدانت بعثة واشنطن لدى الأمم المتحدة القصف الذي نفذته جبهة البوليساريو الانفصالية، معتبرة أن هذه الأعمال “تهدد الاستقرار الإقليمي والتقدم المحرز نحو السلام”.
وأكدت البعثة الأمريكية، عبر بيان نشرته على حسابها الرسمي في منصة “X”، أن “هذه الأفعال تتعارض مع روح المحادثات الأخيرة”، في إشارة إلى المشاورات التي احتضنتها العاصمة الأمريكية واشنطن يومي 23 و24 فبراير الماضي، والتي ركزت على تثبيت التهدئة وإعادة إطلاق المسار السياسي تحت رعاية الأمم المتحدة.
كما شددت الولايات المتحدة على أن “الوقت قد حان لإنهاء هذا النزاع المستمر منذ خمسين عاما”، مجددة تأكيدها أن مبادرة الحكم الذاتي المغربية، كما ورد في قرار مجلس الأمن رقم 2797، “تمثل الطريق نحو السلام في الصحراء”، مع دعوة جميع الأطراف إلى “الالتزام بصدق بمستقبل أكثر إشراقا”، لأن “الوضع القائم لا يمكن أن يستمر”.
ويأتي هذا الموقف الأمريكي عقب الهجوم الذي نفذته عناصر تابعة لجبهة البوليساريو، الثلاثاء، انطلاقا من شرق الجدار الأمني، عبر إطلاق ثلاثة مقذوفات سقطت بمحيط مدينة السمارة؛ الأول أمام السجن المحلي، والثاني خلف المؤسسة نفسها، فيما سقط الثالث بمنطقة “اكويز” وراء مقبرة المدينة، وذلك دون تسجيل خسائر بشرية أو مادية، وفق ما أكدته مصادر مأذونة لهسبريس.
وكانت مصادر أممية مطلعة قد كشفت، في وقت سابق للجريدة، أن المشاورات الأخيرة التي جرت بواشنطن بحضور المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة ستافان دي ميستورا ومسؤولين أمريكيين رفيعي المستوى، شددت على ضرورة التزام البوليساريو بوقف إطلاق النار باعتباره المدخل الأساسي لأي تقدم سياسي في نزاع الصحراء المغربية، مع التأكيد على إعادة الاستقرار إلى الميدان وتهيئة الظروف لاستئناف المفاوضات.
ويعزز الموقف الأمريكي الأخير مؤشرات التحول المتواصل في التعاطي الدولي مع تحركات البوليساريو المسلحة، خاصة في ظل تصاعد الأصوات داخل دوائر سياسية وإعلامية أمريكية تدعو إلى تصنيف الجبهة ضمن التنظيمات الإرهابية، بالنظر إلى اعتمادها عمليات القصف واستهداف محيط المناطق المدنية، مما يهدد الأمن والاستقرار الإقليميين.
إدانة قوية
تعليقا على الموضوع، قال عبد الفتاح البلعمشي، رئيس المركز المغربي للدبلوماسية الموازية وحوار الحضارات، إن الموقف الأمريكي من الأحداث الأخيرة التي تسببت فيها جبهة البوليساريو يعكس تشددا واضحا في التعاطي مع خرق وقف إطلاق النار، خاصة في ظرفية تعرف حركية دبلوماسية متسارعة مرتبطة بملف الصحراء المغربية وتطورات النقاش داخل مجلس الأمن.
وأشار إلى كون هذا السلوك ليس جديدا على الجبهة، التي دأبت على اللجوء إلى التصعيد الميداني كلما كانت القضية مطروحة على مستوى المؤسسات الأممية، في محاولة للتأثير على مسار اتخاذ القرار وإرباك النقاش الدولي حول التسوية السياسية.
وذكر البلعمشي، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن هذه التطورات تتقاطع مع السياق الذي أفرزه القرار الأممي رقم 2797، وما رافقه من تعزيز للمسار الداعم لمبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها الإطار الأكثر جدية وواقعية لتسوية النزاع.
وعاد أستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاضي عياض ليؤكد أن ما وقع يندرج ضمن نمط سلوكي متكرر للبوليساريو يقوم على ربط التصعيد الميداني باللحظات السياسية الحساسة داخل أروقة الأمم المتحدة، بهدف فرض حضور ظرفي على حساب المسار السياسي، منبها إلى أنه رغم هذا النهج، فإن توازنات المشهد الدولي تميل بشكل متزايد نحو دعم الاستقرار والبحث عن حل عملي ونهائي للنزاع، بعيدا عن منطق التصعيد العسكري أو فرض الأمر الواقع.
وحسب المهتم بنزاع الصحراء، فإن هذه التحركات تعكس ارتباكا استراتيجيا لدى الجبهة في ظل اتساع دائرة الاعتراف الدولي بمبادرة الحكم الذاتي وتراجع هامش المناورة السياسي لديها.
وأجمل البلعمشي بأن الموقف الأمريكي الأخير يؤكد أن المجتمع الدولي بات أكثر وضوحا في رفض أي خرق لوقف إطلاق النار، وفي الدفع نحو حل سياسي واقعي ومستدام تحت إشراف الأمم المتحدة، مع ضرورة تفعيل آليات قانونية أكثر صرامة تجاه هذه الخروقات.
صفعة سياسية
من جانبها، سجلت مينة لغزال، منسقة تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية، أن إدانة بعثة الولايات المتحدة الأمريكية لدى الأمم المتحدة قصف جبهة البوليساريو محيط مدينة السمارة، تمثل تحولا نوعيا في مقاربة واشنطن تجاه نزاع الصحراء، بعدما انتقلت من مجرد الدعوة إلى التهدئة نحو تحميل الجبهة مسؤولية تقويض المسار السياسي وتهديد الاستقرار الإقليمي.
وأضافت لغزال، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن هذا الموقف الأمريكي الصارم يعكس قناعة متزايدة داخل دوائر القرار الدولي بأن الوضع القائم لم يعد قابلا للاستمرار، وأن استمرار التحركات العسكرية للجبهة لن يؤدي إلا إلى مزيد من العزلة والتشدد الدولي تجاهها.
وأكدت الناشطة الحقوقية أن تأكيد واشنطن مجددا على مبادرة الحكم الذاتي المغربية، استنادا إلى قرار مجلس الأمن رقم 2797، يكرس هذه المبادرة باعتبارها الأرضية الأكثر واقعية وجدية وقابلية للتنفيذ من أجل بلوغ حل نهائي ومستدام للنزاع.
وبخصوص التحركات الجارية داخل المؤسسات الأمريكية، أوردت المتحدثة أن الكونغرس يشهد نقاشا متناميا بشأن تصنيف جبهة البوليساريو منظمة إرهابية أجنبية، على ضوء ما يتم تداوله من معطيات مرتبطة بعلاقات الجبهة مع شبكات وجهات إقليمية مزعزعة للاستقرار، وهو ما يعكس حجم التحول في النظرة الأمريكية لهذا الملف.
وعن المسؤولية الإقليمية، قالت لغزال إن الجزائر باتت مطالبة بتحمل مسؤولياتها السياسية والقانونية بصفتها الطرف الداعم والمضيف، خاصة أن أي تصعيد ينطلق من أراض خاضعة لسيادتها يضعها أمام مساءلة متزايدة داخل المنتظم الدولي.
ونبهت إلى أن لجوء البوليساريو إلى العنف في هذا التوقيت يفسر على نطاق واسع كعلامة على اليأس الاستراتيجي، في مقابل ما راكمه المغرب من مكاسب دبلوماسية وتنموية بالأقاليم الجنوبية، مدعومة باعترافات دولية متتالية وافتتاح قنصليات أجنبية.
وخلصت منسقة تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية إلى أن الموقف الأمريكي الأخير يبعث برسالة واضحة مفادها أن المستقبل أصبح للحلول الواقعية والتنمية والاستقرار، وأن أي محاولة لإحياء أطروحات متجاوزة بالقوة أو التصعيد لن تغير من الحقائق الجديدة التي ترسخت على الأرض.
مملكتنـــــــــــــــا.م.ش.س
![]()








