آخر الأخبار

  • صاحبة السمو الملكي الأميرة للا مريم تترأس المجلس الإداري للمصالح الاجتماعية للقوات المسلحة الملكية

  • من الوثيقة إلى الحجة .. الأرشيف التاريخي بين كتابة الذاكرة وتحصين القضايا الوطنية

  • الشاي المغربي المهاجر يتألق في معرض ميلانو وعبد الرحيم مورغاثي يعكس صورة مشرقة عن التراث المغربي

  • مؤسسة للا أسماء تطلق “Parking au Top”، أول مسابقة وطنية في الروبوتات الدامجة بالمغرب

  • بني ملال .. أسرة الأمن الوطني تخلد الذكرى الـ70 لتأسيس المديرية العامة للأمن الوطني

  • تفكيك شبكات الجهاد الفردي تبرز تحول طبيعة الخطر الإرهابي في المغرب

من الوثيقة إلى الحجة .. الأرشيف التاريخي بين كتابة الذاكرة وتحصين القضايا الوطنية

محمد الشرقاوي-البزيوي-

دكتور في التاريخ المعاصر 

من جامعة سيدي محمد بن عبد الله-فاس- 

أصبح الاشتغال على التاريخ المغربي المعاصر والراهن اليوم مرتبطاً، أكثر من أي وقت مضى، بإشكالية الوثيقة والأرشيف، ليس فقط باعتبارهما مادة للبحث الأكاديمي، بل بوصفهما أيضاً أداة من أدوات بناء الذاكرة الوطنية وتحصين المواقف القانونية والسيادية للدولة.

هذه النقلة المنهجية التي عرفتها آليات استعمال الوثيقة التاريخية و أبعادها الوظيفية، ساهم في ترسيخها التحول الذي عرفته المؤسسات الوثائقية المغربية، والأدوار المتنامية التي أصبحت تضطلع بها في خدمة البحث العلمي وصيانة الذاكرة الجماعية. و هو ما كشفت عنه التجربة الأكاديمية لمؤلف: مدينة أبي الجعد والزاوية الشرقاوية مقاربة تاريخية للحياة الدينية والثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر إلى النصف الأول من القرن العشرين”، وذلك من خلال الاعتماد على رصيد متنوع من الوثائق والمخطوطات والصور والأرشيفات الإدارية، تم الحصول على جزء مهم منها من مؤسسات وطنية كبرى، من بينها الخزانة الحسنية بالقصر الملكي العامر، مديرية الوثائق الملكية، أرشيف المغرب، و أيضا المكتبة الوطنية للمملكة المغربية، إلى جانب مؤسسات جامعية وخزائن علمية أخرى.

وفي هذا الإطار لا يمكن إغفال الدور المتنامي الذي تضطلع به وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في مجال التوثيق وصيانة التراث المخطوط، خاصة في ظل الاهتمام الذي يوليه الوزير أحمد التوفيق، باعتباره مؤرخاً وباحثاً متخصصاً في تاريخ المغرب والتصوف والزوايا. وقد انعكس هذا التوجه في عدد من المشاريع المرتبطة بفهرسة المخطوطات، وترميم الخزائن العلمية، والعناية بالوثائق الوقفية والزوايا والمكتبات العتيقة.

وفي السياق ذاته، تبرز أهمية الخزائن التابعة لقطاع الثقافة والمؤسسات العلمية التقليدية، وفي مقدمتها جامعة القرويين، بما تضمه من خزائن علمية ووثائق فقهية وقضائية وتاريخية تُعد من أقدم الروافد المعرفية بالمغرب الإسلامي التي يسرت للباحثين الاطلاع على هذا الكنز الوثائقي وساهمت في إعادة توظيفه في أعمال وأبحاث علمية موجهة للعموم.

مع الإشارة إلى أن جزءاً هاما من الذاكرة الوثائقية المغربية لا يزال محفوظاً داخل خزائن وأرشيفات خاصة وعائلية، لعبت دوراً محورياً في حفظ التاريخ المحلي والوطني، ومن أبرزها:

  • خزانة محمد داود، التي تُعد من أهم الأرصدة الوثائقية الخاصة بشمال المغرب وتاريخه الثقافي والسياسي.
  • الخزانة الصبيحية، بما تحتويه من مخطوطات ووثائق مرتبطة بتاريخ العدوتين والحياة العلمية بسلا.
  • خزانة الزاوية الناصرية، التي تمثل إحدى أهم الخزائن الصوفية والعلمية بالمغرب، وتضم مخطوطاتناذرة في الفقه واللغة والفلك والرحلات والتاريخ.
  • و بعض الخزانات الحزبية. 

ولا يقتصر الاهتمام بالوثيقة على المؤسسات المدنية فقط، بل يمتد أيضاً إلى المؤسسة العسكرية، من خلال مديرية التاريخ العسكري، التي تضطلع بدور مهم في حفظ وتوثيق الذاكرة العسكرية للمملكة، وجمع الوثائق المرتبطة بتاريخ القوات المسلحة الملكية، والمقاومة، والتحولات العسكرية والاستراتيجية التي عرفها المغرب المعاصر و الراهن. ويكتسي المجهود البحثي لهذه المؤسسة أهمية خاصة في توثيق المحطات البارزة في تاريخ المملكة المغربية الشريفة، من خلال إبراز تأثير الحدث العسكري على تدوين الوثيقة التاريخية.

غير أن أهمية هذا الاشتغال الوثائقي لا تتوقف عند حدود الأرشيف الوطني، بل تمتد أيضاً إلى الوثائق المحفوظة بالخارج، خاصة ضمن الأرشيف الدبلوماسي والعسكري الفرنسي، الذي يحتفظ بجزء مهم من الذاكرة الدبلوماسية والإدارية المرتبطة بالمغرب خلال فترة الحماية الفرنسية وما بعدها. وقد شكلت هذه الوثائق مصدراً أساسياً لفهم عدد من التحولات السياسية والاجتماعية والدينية، ولإعادة تركيب تفاصيل دقيقة من التاريخ المحلي والوطني. وهو ما لامسه مؤلف مدينة أبي الجعد والزاوية الشرقاويةمقاربة تاريخية للحياة الدينية والثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية خلال النصف الثاني من القرن 19 إلى النصف الأول من 20″من خلال هذه التجربة البحثية داخل أروقة الأرشيف الديبلوماسي بمدينة نانت الفرنسية.

ويطرح هذا الواقع سؤالاً استراتيجياً يتعلق بضرورة تعزيز حضور الوثيقة المغربية الموجودة بالخارج داخل المنظومة البحثية الوطنية، سواء عبر اتفاقيات تعاون علمي، أو من خلال برامج للرقمنة والاستنساخ الأكاديمي، أو عبر عقد شراكات مؤسساتية تسمح للباحث المغربي بالولوج المنظم إلى هذه الأرصدة الوثائقية ذات القيمة التاريخية والسيادية.

وفي هذا الإطار، تبدو تجربة المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير نموذجاً مهماً في تجميع واستثمار الوثائق التاريخية المرتبطة بمرحلة المقاومة والحركة الوطنية، سواء عبر جمع الأرشيفات، أو نشر الوثائق، أو تحويل الذاكرة الوطنية إلى مادة توثيقية مؤسساتية تخدم التاريخ والقضية الوطنية معاً.

إن جزءاً مهماً من الوثائق المحفوظة داخل الأرشيفات الأجنبية، خصوصاً الفرنسية والإسبانية، لا يتعلق فقط بتاريخ الإدارة الاستعمارية، بل يتضمن معطيات ذات قيمة قانونية وسيادية يمكن أن تُستثمر في الملفات الوطنية الكبرى، وعلى رأسها قضية الصحراء المغربية. فالوثيقة التاريخية لم تعد مجرد مصدر للباحث، بل أصبحت في العلاقات الدولية الحديثة أداة إثبات وحجة قانونية ودبلوماسية.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى بلورة سياسة وطنية متقدمة في مجال الدبلوماسية الأرشيفية، تقوم على:

  • تشجيع استرجاع النسخ الرقمية للوثائق المتعلقة بالمغرب،
  • دعم الباحثين المتخصصين في الأرشيفات الأجنبية،
  • إحداث قواعد بيانات وطنية للوثائق السيادية،
  • تثمين الوثيقة التاريخية داخل الترافع القانوني والدبلوماسي للمملكة.

وقد عزز المغرب هذا التوجه من خلال القانون رقم 69.99 المتعلق بالأرشيف، الذي أرسى إطاراً قانونياً لتنظيم الأرشيف الوطني، إلى جانب القانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات، الذي كرس مبدأ الولوج إلى المعلومة باعتباره حقاً دستورياً يساهم في تطوير البحث العلمي والحكامة والشفافية.

إن الدول الحديثة لا تُقاس فقط بقوة اقتصادها أو مؤسساتها، بل أيضاً بقدرتها على تنظيم ذاكرتها، وحماية أرشيفها، وتحويل الوثيقة من مجرد أثر تاريخي إلى عنصر فاعل في بناء السيادة الوطنية وصيانة المصالح الاستراتيجية للدولة.

Loading

اقرأ أيضا
  • صاحبة السمو الملكي الأميرة للا مريم تترأس المجلس الإداري للمصالح الاجتماعية للقوات المسلحة الملكية

    مملكتنا/
    مايو 16, 2026
  • من الوثيقة إلى الحجة .. الأرشيف التاريخي بين كتابة الذاكرة وتحصين القضايا الوطنية

    مملكتنا/
    مايو 16, 2026
  • الشاي المغربي المهاجر يتألق في معرض ميلانو وعبد الرحيم مورغاثي يعكس صورة مشرقة عن التراث المغربي

    مملكتنا/
    مايو 16, 2026
أخبار آخر الساعة
  • صاحبة السمو الملكي الأميرة للا مريم تترأس المجلس الإداري للمصالح الاجتماعية للقوات المسلحة الملكية

  • من الوثيقة إلى الحجة .. الأرشيف التاريخي بين كتابة الذاكرة وتحصين القضايا الوطنية

  • الشاي المغربي المهاجر يتألق في معرض ميلانو وعبد الرحيم مورغاثي يعكس صورة مشرقة عن التراث المغربي

  • مؤسسة للا أسماء تطلق “Parking au Top”، أول مسابقة وطنية في الروبوتات الدامجة بالمغرب

من الوثيقة إلى الحجة .. الأرشيف التاريخي بين كتابة الذاكرة وتحصين القضايا الوطنية