النيجر – في تحول لافت يعيد رسم ملامح العقيدة العسكرية الجزائرية، برز قرار إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي الجزائري إلى دولة النيجر المجاورة كخطوة غير مسبوقة تكسر عقودا من الالتزام بعدم الانخراط في أي أعمال قتالية خارج الحدود، وتدفع بجيش هذا البلد مباشرة نحو خطوط التماس في أكثر مسارح القارة الإفريقية اشتعالا، سواء بسبب انتشار الجماعات الإرهابية أو تدافع مشاريع القوى الإقليمية والدولية.
ورغم تغليف هذه الخطوة بغطاء حماية المصالح الاستراتيجية والاقتصادية للدولة الجزائرية، التي تستثمر شركتها “سوناطراك” في مشاريع للنفط والغاز بشمال النيجر، خاصة حقل “كافرا”، وكذا محاولة إيجاد ضمانات لتأمين المسار المرتقب لمشروع أنبوب الغاز نيجيريا – الجزائر الذي يمر عبر النيجر؛ إلا أن هذا الاندفاع الميداني، لا يعكس، وفق مهتمين، فائضا في القوة بقدر ما يضع المؤسسة العسكرية الجزائرية أمام مفارقة أمنية خطيرة، عنوانها الاستنزاف المحتوم والصدام مع مصالح قوى يعتبرها “قصر المرادية” حليفة، وفي مقدمتها روسيا الاتحادية.
في موازاة ذلك، ترى قراءات سياسية في قرار الزج بالجيش في النيجر انعكاسا مباشرا لأزمات داخلية وضغوط دبلوماسية متراكمة تحاول السلطة الحاكمة الهروب منها عبر تصدير التوتر واختلاق حالة تعبئة خارجية، مبرزة أن تاريخ التدخلات العسكرية الأجنبية في منطقة الساحل أثبت أن هذه التدخلات لم تحصد سوى الرفض الشعبي والعداء المحلي، ما يهدد بتحويل مهمة “تأمين المصالح” المزعومة إلى مصدر توتر أمني يجر النار إلى الداخل الجزائري بدلا من إبعادها عنه.
هذا القرار الجزائري، وإن استند إلى غطاء دستوري يجد سندا له في البند الثاني من المادة 91 من دستور هذا البلد، الذي يربط تمرير قرار إرسال الجيش خارج الحدود بموافقة ثلثي أعضاء مجلس الأمة، إلا أن طريقة طرحه على البرلمان أثارت غضب أحزاب سياسية؛ إذ أعلن حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية (RCD) امتناع نوابه عن التصويت لصالح القرار، معتبرا أن “كل قرار من شأنه تعريض حياة جنودنا للخطر، أو المساس بأمن البلاد، أو التأثير في تموقعها الإقليمي والدولي، يجب أن يستند إلى مبررات واضحة، وأن يخضع لضوابط صارمة، وأن تحكمه حصريا المصلحة الوطنية”.
نقاط ضعف وتجارب سابقة
أفاد هشام معتضد، باحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية، بأن “التوجه الجزائري نحو نشر قوات عسكرية في شمال النيجر يعد إشكالية استراتيجية تتجاوز مسألة الانتشار خارج الحدود، وتتعلق بمدى قدرة الجزائر على تحويل القوة العسكرية إلى نفوذ سياسي مستدام. فالدستور الجزائري أتاح من الناحية القانونية إمكانية التدخل الخارجي بشروط محددة، لكنه لم يحسم المعضلة الأساسية المرتبطة بجدوى هذا الخيار. فالقدرة على إرسال القوات لا تعني القدرة على التحكم في البيئة التي ستعمل داخلها، كما أن الوجود العسكري لا يعوض بالضرورة تراجع أدوات التأثير الدبلوماسي. وإذا كان الهدف من هذا التحرك استعادة هامش نفوذ إقليمي تقلص بفعل التحولات السياسية والأمنية في الساحل، فإن اللجوء إلى الوسيلة العسكرية قد يكشف حدود المقاربة الدبلوماسية أكثر مما يقدم حلا لأسباب تعثرها”.
وتابع بأن “إحدى نقاط الضعف المحتملة في المقاربة الجزائرية تكمن في الخلط بين إبعاد التهديدات عن الحدود وتوسيع الالتزامات الأمنية خارجها. فالمثلث الجزائري النيجري الليبي ليس مجرد مجال جغرافي يمكن تأمينه بواسطة الانتشار العسكري، بل فضاء تتداخل فيه الجماعات المسلحة وشبكات التهريب والتوازنات القبلية والصراعات السياسية العابرة للحدود. وكلما تقدمت القوات خارج المجال السيادي للدولة، ازدادت حاجتها إلى حماية خطوط إمدادها وتأمين مواقعها والتكيف مع تحولات لا تملك السيطرة على أسبابها. وهنا تظهر المفارقة الاستراتيجية: قد يؤدي السعي إلى إنشاء عمق أمني إضافي إلى توسيع مساحة التعرض للمخاطر، بدلا من تقليصها”.
وشدد معتضد، في حديث مع هسبريس، على أن “توظيف حماية الاستثمارات الطاقية لتبرير الانتشار العسكري يطرح تساؤلات حول التناسب بين الوسائل والأهداف. فالمصالح الاقتصادية الجزائرية في النيجر، بما فيها استثمارات سوناطراك ومشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، تحتاج إلى بيئة مستقرة وضمانات تعاقدية وأمنية طويلة الأمد. غير أن تحويل الجيش إلى أداة مباشرة لحماية هذه المصالح قد يربط مستقبلها بتقلبات الوضع العسكري والسياسي المحلي. والخطر هنا أن تتحول الدولة من حماية استثماراتها إلى تحمل مسؤولية حماية الظروف السياسية والأمنية التي تسمح باستمرار تلك الاستثمارات. وهذا انتقال بالغ الكلفة، لأن المنشآت الاقتصادية يمكن تأمينها بترتيبات محددة، بينما يصعب ضمان استقرار المجال الإقليمي المحيط بها بواسطة قوة أجنبية محدودة”.
وزاد أن “هذه المعضلة تزداد تعقيدا في ضوء التجارب السابقة للتدخلات الخارجية في منطقة الساحل. فقد أظهرت تلك التجارب أن التفوق العسكري لا يضمن تحقيق أهداف سياسية مستدامة، وأن قبول السلطات المركزية بوجود قوات أجنبية لا يكفي لضمان قبولها اجتماعيا ومحليا. وبالنسبة للجزائر، فإن أي احتكاك مع المكونات المحلية في شمال النيجر قد يحول مهمة يفترض أنها دفاعية إلى مصدر توتر جديد. فالقوة العسكرية تستطيع فرض حضور ميداني، لكنها لا تستطيع فرض الشرعية السياسية التي يحتاج إليها هذا الحضور للاستمرار. كما أن أي تغير في السلطة بنيامي قد يضع الترتيبات الأمنية الجزائرية أمام اختبار سياسي لا يمكن حسمه بالأدوات العسكرية وحدها”.
وبيّن معتضد أن “أكبر مخاطرة استراتيجية في هذا التوجه تكمن في احتمال انتقال الجزائر من موقع الدولة التي تسعى إلى التأثير في أزمات الساحل من الخارج إلى موقع الطرف الذي يتحمل بصورة مباشرة جزءا من تبعاتها. وإذا حدث ذلك، فإن هامش المناورة السياسية قد يتقلص كلما اتسعت الالتزامات العسكرية. فالنفوذ الحقيقي لا يُقاس بعدد المواقع التي تستطيع الدولة الانتشار فيها، وإنما بقدرتها على تحقيق مصالحها من دون أن تصبح أسيرة للتوازنات الأمنية والسياسية المحيطة بها”، مبرزا أن “الاختبار الحاسم للقرار الجزائري لن يكون نجاح عملية الانتشار، بل وضوح أهدافها وحدودها وكلفتها وشروط إنهائها”.
ظرف حساس وحتمية صدامية
في سياق متصل، اعتبر الناشط السياسي الجزائري المعارض شوقي بن زهرة أن “توقيت الإعلان عن إرسال قوات جزائرية إلى شمال النيجر لم يأتِ اعتباطا، بل اختير في ظرف سياسي دقيق وحساس يعيشه النظام في الجزائر، حيث يسعى من خلاله إلى توظيف فكرة التعبئة الشعبية وإيهام الرأي العام بوجود مخاطر خارجية وشيكة تهدد البلاد”.
وسجل بن زهرة، في تصريح لهسبريس، أن “هذا التحرك يعكس في جوهره أزمة داخلية، فضلا عن كونه محاولة للهروب من تداعيات الانتكاسات الخارجية، لا سيما في ملف الصحراء وما يسببه من ضغوط دبلوماسية على النظام”، مؤكدا أن “الذرائع الاقتصادية المعلنة، كحماية المنشآت النفطية التابعة لشركة سوناطراك، لا تبرر بأي حال الاستعجال غير المسبوق في تمرير القرار. فقد جرى استدعاء غرفتي البرلمان في دقائق معدودة دون إتاحة المجال لنقاش جاد حول الموضوع”.
وأضاف أن “القرار محكوم أيضا بما يروج له الخطاب الرسمي حول استهداف الجزائر من قِبل تحالفات إقليمية معينة. غير أن الدوافع العميقة ترتبط مباشرة بالتوازنات وأزمة القيادة داخل هرم السلطة الجزائرية”؛ إذ يرى أن هذه الخطوة “قد تخدم حسابات مستقبلية تتعلق بعهدة الرئيس عبد المجيد تبون، وربما التمهيد لتمديدها تحت ذريعة مواجهة أطراف يُزعم أنها تعرقل استقرار البلاد”، مسجلا أن “خطوة التدخل في النيجر تهدد بإقحام المؤسسة العسكرية في مستنقع أمني معقد بمنطقة الساحل دون دراسة عواقب هذه الخطوة”.
وذكر أن “الحديث عن ارتباط هذا التحرك بحماية مسار أنبوب الغاز العابر للصحراء ليس سوى واجهة وشعار تسويقي؛ ذلك أن حجم القوة المعلن عنها لا يمكنه عمليا تأمين مسار أنبوب يمتد عبر كامل التراب الجزائري وصولا إلى نيجيريا، كما لا يمكنها ضمان استقرار دولة النيجر برمتها”، مشيرا إلى أن “شمال النيجر يتسم بتعقيدات أمنية وقبلية بالغة الحساسية، ما يجعل القوات الجزائرية عرضة لأن يُنظر إليها كقوة احتلال أو طرف معادٍ، وتتحول بالتالي إلى هدف مباشر للجماعات المسلحة والإرهابية وتلك المناوئة للسلطة الحاكمة في نيامي”.
وقال الناشط السياسي الجزائري المعارض إن “هناك أيضا مخاطر جيو-سياسية مترتبة على هذا التموضع، خاصة ما يتعلق بحتمية حدوث تقاطع وتصادم في المصالح مع قوى أخرى فاعلة في المنطقة، وفي مقدمتها روسيا، لا سيما في ظل الانتقادات التي وجهها الإعلام الرسمي الجزائري للتحركات العسكرية الروسية في مالي”، مضيفا أن النظام الجزائري باختياره التدخل العسكري بدلا من الحفاظ على المقاربات الدبلوماسية والاستخباراتية لحماية الحدود، يورط نفسه في ملفات تفوق طاقته وتضعه في مواجهة مباشرة مع قوى دولية كبرى.
خطوة خطيرة وقيادات هرمة
وفي خرجة له على حسابه على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، أكد محمد العربي زيتوت، المعارض والدبلوماسي الجزائري السابق، أن “القرار الذي اتخذه الحكم العسكري في الجزائر بالتدخل العسكري في النيجر يُعد خطوة بالغة الخطورة وتُمثل انقلابا كاملا في الموقف الجزائري؛ إذ كانت السلطة الجزائرية قد أدانت الانقلاب في النيجر على الرئيس محمد بازوم ونددت به في بيانات رسمية، ودخلت إثر ذلك في خصومة مع حكام النيجر وبوركينا فاسو المتضامنين مع المجلس العسكري في مالي، لا سيما بعد إسقاط الطائرة المالية في غشت 2023 وما تلاه من سحب للسفراء وتجميد للعلاقات وتبادل للهجمات الإعلامية”.
وأوضح زيتوت أن “الزج بالجيش الجزائري في النيجر يعني إقحامه في مستنقع شديد التعقيد تحكمه صراعات متعددة”، مبرزا أن “واقع الجيش الجزائري لا يؤهله لخوض مثل هذه النزاعات الخارجية؛ فهو ليس في مصاف الجيوش الكبرى كالجيش الأمريكي أو الروسي أو الصيني، بل يعاني من نقاط ضعف حقيقية ترتبط باعتماده الكامل على استيراد السلاح وخضوعه لتحكم الدول المصنعة له”.
ولفت المتحدث ذاته إلى “تحكم قيادات متقدمة في السن في قرارات الجيش والسلطة، معتمدة على سياسة دعم العناصر الفاسدة ماليا وأخلاقيا لضمان الولاء وعدم التمرد. يُضاف إلى ذلك تدهور الأوضاع المعيشية والمهنية للجنود والضباط في القواعد الصحراوية، ما أفرز موجات عزوف واسعة عن التجنيد، ورفضا لتجديد العقود، وتزايدا في طلبات التسريح لدواعٍ صحية ونفسية”.
واعتبر أن “الحديث عن كون هذا التحرك مجرد تدخل محدود لا يعدو كونه تضليلا يكرر أخطاء تاريخية سابقة؛ فالتدخلات العسكرية الخارجية تبدأ دائما تحت هذا الشعار ثم تنتهي بهزائم وكوارث محققة، على غرار ما حدث لفرنسا بعد عشر سنوات في مالي، والاتحاد السوفييتي في أفغانستان، والولايات المتحدة في فيتنام والعراق وأفغانستان”، مشددا على أن “الدافع الحقيقي وراء هذه المغامرة العسكرية هو رغبة السلطة الحاكمة في الهروب من الأزمات الداخلية الخانقة، وصرف أنظار الشعب الجزائري عن تردي الأوضاع المعيشية، وتدهور البنية التحتية، والغلاء الفاحش، واختلاق عدو خارجي يبرر التشبث بالكراسي”.
وبين محمد العربي زيتوت أن “عواقب هذه الخطوة ستكون وخيمة على المدى القريب والمتوسط، وستُدفع أثمانها من دماء الجنود والضباط الجزائريين الذين ستُعاد جثامينهم في صناديق مغلقة مع التعتيم على أسباب وفاتهم، بالإضافة إلى التهديد الذي سيطال عمال شركة سوناطراك في النيجر”، مبرزا أن “هذا الانخراط العسكري يفتح الباب أمام استهداف الأراضي الجزائرية بعمليات انتقامية”.
ودعا المعارض والدبلوماسي الجزائري السابق “الجنود والضباط الشرفاء داخل الجيش الجزائري إلى رفض هذه الأوامر العسكرية وعصيانها والامتناع عن القتال خارج الحدود، لأن مواجهة السجن في الوطن خير من الموت في حروب وصراعات عبثية لا ناقة للجزائريين فيها ولا جمل”.








