شرعيات الملكية بالمغـــرب … الكفاح الوطني والدستور وإمارة المؤمنين
قليلة هي الكتابات “الرصينة” التي تناولت بالنقد والتحليل المنطلقات الفكرية والسياسية التي قامت على أسسها الحركة الإسلامية المغربية الحديثة، وسعت إلى تفكيك التداخل البنيوي الموجود داخلها بين ما هو سياسي اجتماعي وما هو عقدي دعوي، محاولة إيجاد الحدود الفاصلة بين كل ممارسة داخل هذه السياقات على حدة، وتحديد العلاقة الكائنة بين السياسي والدعوي.
أيهما يوظف الآخر؟ وإذا كان ثمة صراع وظيفي بينهما، فما السياق الذي يحسمه؟ فضلا عن ضرورة البحث عن موقع ودور ومساهمة السلطة السياسية في هذا الصراع، خاصة وهي السلطة التي تبني شرعيتها الأقوى على أساس الدين، وتتناوب في ممارستها عملية “التخادم” بين الدين في عمقه التاريخي الروحي المطلق والمقدس، والسياسة في طبيعتها الحربائية القائمة على ركائز المصلحة الدائمة والممكن المتغير.
في كتابه “الإسلام السياسي في الميزان: حالة المغرب”، والذي يعد حسب مؤلفه حسن أوريد النسخة العربية لكتابه باللغة الفرنسية ” l’impasse de l’islamisme :cas du Maroc”، يعرض الكاتب العديد من التقاطعات آنفة الذكر، فيحاول إبراز الخطوط الفاصلة بين أدوار الدين والسياسة والدولة، ليعود بنا إلى الأشكال الأولى للصراع بين البنى الاجتماعية التي شكلت ملامح المغرب التقليدي، وبنية الدولة الوليدة التي اتخذت من الحداثة عنوانا لمشروعها السياسي، دون أن تفرط في مرجعيتها الأصلية التي تضمن لها المتكأ التاريخي والديني، وكيف أن هذه الشرعية الدينية شكلت سلاح دولة الاستقلال الفعال في مواجهة طموحات الحركة الوطنية في اقتسام النفوذ ومزاحمة القصر على العرش.
لقد اعتمدت دولة الاستقلال أساسا على ثلاث شرعيات، إحداها هي شرعية الكفاح الوطني، التي كانت تشترك فيها مع باقي مكونات الحركة الوطنية، إذ شكلا صفا واحدا في مواجهة السياسات الاستعمارية، ودافع كل من القصر والحركة الوطنية من خندق واحد عن مشروعية التحرر من الاحتلال، ومن خلالها عن شرعية وجود كل طرف منهما وضرورته لوجود الآخر. وقد ظهرت هذه المعادلة جلية في فترة نفي الملك محمد الخامس، حين اتخذت الحركة الوطنية من رجوع الملك الشرعي عنوانا للنضال من أجل الاستقلال، واستقرت في وعي الملك محمد الخامس استحالة الحصول على الحرية دون امتداد شعبي وسياسي يؤطره وعي وطني يسهر عليه رجال الحركة الوطنية.
وكان من الجلي إبان فجر الاستقلال أن يشكل القصر والحركة الوطنية جسدا واحدا في مواجهة أعباء بناء المغرب الجديد، يتطور أحيانا إلى رؤية “ندية” عبر عنها الزعيم علال الفاسي في خطابه بطنجة سنة 1956، حين قال: “ليس في المغرب من قوة إلا قوات ثلاث: أولا قوة حزب الاستقلال، وقوة جيش التحرير، وثالثها قوة القصر، وإذا اعتبرنا جيش التحرير قوة من الحزب وإليه، كانت في المغرب قوتان لا ثالث لهما: قوة حزب الاستقلال وقوة القصر أو العرش”.
لكن الكفاح الوطني المشترك سرعان ما سيتحول إلى نقطة خلاف مركزية بين القصر ومكونات الحركة الوطنية بعد الاستقلال، إذ ستهيمن فكرة الشراكة في الحكم على القوى السياسية الأساسية ورموزها آنذاك، بينما ستقع تحولات داخل القصر نفسه بوفاة الملك محمد الخامس، وانكماش الدولة إلى مواقع الحفاظ على وجودها الفعلي والتاريخي دون الحاجة إلى اللجوء إلى “شركاء” يمنون عليها فضل “الاستمرار”، وهو الصراع الذي سينتج عنه انقسام طويل الأمد في الحقل السياسي المغربي في عهد الحسن الثاني، إلى نظام سياسي فردي، مغرق في استدعاء التقاليد، وأحزاب وطنية مرتهنة إلى طموحات الاستفادة من ثمار الكفاح والانتصار على الاحتلال الأجنبي من خلال الصعود إلى سدة الحكم.
أما الشرعية الثانية التي اعتمدتها الدولة المغربية الناشئة فهي ما يمكن أن نسميه الشرعية الدستورية، بالاستناد إلى خطوتين هامتين؛ أولاهما كانت في 8 ماي من سنة 1958، بإصدار وثيقة “العهد الملكي”، باعتبارها أول وثيقة ذات طابع دستوري، تحدد طبيعة الملكية في المغرب، ملكية دستورية، والنظام السياسي باعتباره نظاما تعدديا، قبل أن تتم تزكية هذه الأسس في الدستور المغربي الأول لسنة 1962، الذي قام فيه واضعوه بـ”دسترة” التعددية السياسية، وبالتالي سد الطريق أمام أي إمكانية لهيمنة قوى سياسية بعينها على المجال السياسي، وفتحها بالمقابل أمام إمكانية تأسيس قوى سياسية جديدة، أو بالأحرى شرعنة إنشاء “شركاء” جدد من خارج قوى الحركة الوطنية. والأهم من هذا وذاك هو أن دستور 1962 قد قام بالفعل بتمتيع الدولة بالطابع الديني عبر إقرار نظام إمارة المؤمنين، وهذه المرة باقتراح وإشراف كل من زعيم حزب الاستقلال علال الفاسي، وقائد جيش التحرير عبد الكريم الخطيب.
وهكذا تم تثبيت الشرعية الثالثة، القائمة على أساس ديني، والتي طالما كانت جزءا من بنية النظام السياسي المغربي طوال قرون من الزمن، أولا باعتبار نظام الحكم في المغرب امتدادا للخلافة الإسلامية، إن من حيث كون المغرب أصبح تابعا لها منذ بداية “الفتح الإسلامي”، أو من حيث التجربة الاستثنائية التي أسسها إدريس الأول لدى قدومه إلى المغرب، بإقامته لأول نظام سياسي “إمامي” متمرد على السلطة المركزية في الشرق العربي، ومحافظ في الآن نفسه على الأسس التي قامت عليها كل الدول الإسلامية المتعاقبة.
في غضون ذلك تأسس داخل قوى الحركة الوطنية تيار تمرد على البنية التقليدية للدولة، وناوش السلطة في اختياراتها السياسية، وتبلورت رؤاه في اتجاه تبني التوجه الاشتراكي الذي كان جنينيا آنذاك في المنطقة العربية، وأخذت المسافة تزداد اتساعا بينه وبين الدولة، إلى أن تطورت إلى مواجهة شاملة ومباشرة، نتجت عنها عقود من الصراع، كان فيها كل طرف يبحث عن الأسباب المؤدية لاجتثاث الآخر، فشكل الدين عنصرا أساسيا في الصراع.
مملكتنـــــــــــــــــــــــــــــــــــــا.م.ش.س






