الزلزال السياسي قد يعيد تشكيل اللوحة الحزبية والحكومية ولاعاصم للوزراء غير الكفاءة
فتح الزلزال السياسي الذي ضرب حكومة العثماني والوزراء السابقين في حكومة بنكيران، أبواب الاستوزار على احتمالات مختلفة، لضم هذ الحزب أو ذاك أو الاحتفاظ بنفس التشكيل الحكومي، وفي هذا الصدد نحاور الدكتور خالد فتحي الذي يدلي لنا بقراءته في فنجان المشهد السياسي المغربي الذي يشهد حركية لا مثيل لها خلال العقد الأخير.
كيف تنظرون لقرار الحركة الشعبية بالاستمرار في الأغلبية الحالية رغم إعفاء وتقريع عدد من وزرائها؟
أعتقد أن قرار حزب الحركة الشعبية يصاغ انطلاقا من الصورة التي تكونت لها لدى الرأي العام المغربي و من عادات السلوك السياسي التي دأب عليها قادتها وتعود عليها كذلك منخرطوها أو مناضلوها.
هذا الحزب لا يتخيل نفسه بعيدا عن الحكومة، بل إن تكميل نصاب الأغلبية أضحى جوهر وظيفة هذا الحزب حاليا في المشهد السياسي المغربي، وهو هكذا حاضر دائما في كل الحكومات كيفما كان لونها أو سياقها، ولا يتقن تقمص دور المعارضة، وقد كان من الخيارات الممكنة نظريا على الأقل لقادة الحركة الشعبية أن ينكفؤوا بالسنبلة قليلا الى الوراء ليراجع اداءه، ويقوم بنقد ذاتي لتجربته الحكومية ،ويضخ دماء جديدة في شرايينه يستعيد بها عافيته التنظيمية، ولكنه جينيا لا يستطيع ذلك .
لقد فقد هذا الحزب من فرط التصاقه بالكراسي الحكومية تقاليد التصرف السياسي، بل هو يتجاهل كل الإشارات، خصوصا إذا تذكرنا أن كل وزرائه انتهوا إلى الإخفاق والتعثر والخروج من الحكومة، وأشير هنا الى نهاية كل من أوزين بسبب فضيحة الكراطة و الكروج عقب فضيحة الشوكولاتة في الحكومة السابقة، وهذه الفضائح لاتزال طرية في ذاكرة الشعب.
كذلك لا يمكن لهذا الحزب أن يخرج من الحكومة وقد ارتبط مع أحزاب أخرى خلال “البلوكاج الحكومي” بالتواجد معا في الحكومة أو المعارضة وأقصد أحزاب الاحرار والاتحاد الدستوري وحتى الاتحاد الاشتراكي، فهو يرى نفسه مطوقا بهذا الاتفاق الى الآن، كما أن إعفاء وزارئه كان بسبب اختلالات وليس بسبب اختلاسات، وهذا يهون عليه الأمر ويجعله يراه فشلا شخصيا للوزراء لا يجب ان يتحمل كل الحزب وزره، وطبعا كل هذه المسوغات هي لأجل تقرير الاستمرار في الحكومة.
ما هو توقعكم بالنسبة لقرار اللجنة المركزية لحزب التقدم والاشتراكية بشأن إمكانية الانسحاب من التحالف الحكومي؟
حزب التقدم والاشتراكية هو أكبر متضرر من هذا الزلزال السياسي من خلال إعفاء أمينه العام نبيل بنعبد الله، والذي اصاب الحزب في مقتل، ووزيره في الصحة الحسين الوردي الذي كان يعرف كيف يروج لنفسه في الإعلام ولدى الرأي العام.هذا الحزب فقد هويته الإيديولوجية وأصبحت قوته الانتخابية تقوم كليا على الأعيان واصحاب المال، فهم الذين يمثلون رأس حربته البرلمانية، ورأس المال جبان لا يحبذ ولا يبحث عن المعارضة، كما أن الأطر الحقيقية المأدلجة للحزب- وهي كثيرة ولها خبرة واطلاع- لا تمتلك الأدوات الجماهيرية لامتطاء صهوة المعارضة و ليس لها نفس كاف لاجتياز صحراء البعد عن دواليب الحكم دون تعريض الحزب لخطر الاندثار والتحلل.
يعرف الجميع أن هذا الحزب استطاع من خلال مراهنته على العدالة والتنمية تقمص دور ووزن أكبر من وزنه الانتخابي مبينا عن براغماتية مكشوفة لم تكن دون ثمن، إذ أدت الى تغيير جلده بالكامل خصوصا لما أصبح أمينه العام وزيرا ثابتا في كل الحكومات المتعاقبة، مما ساهم في تضبيب المشهد السياسي أمام المواطن، ولذلك لا أعتقد انه سيكون هناك قرار بالانسحاب من الأغلبية، فالحزب يعيش حالة إدمان على الحكومة وله أطر تنتظر فرصتها ومتعطشة لكي تجرب في العمل الحكومي بعد أن عانت من الاحتكار، و لذلك يمكن للحزب أن يستفيد من هذا الإعفاء الذي من المرجح أن ينجز ما عجز عنه المناضلون لأجل تغيير القيادة وفسح المجال امام جيل جديد من مناضليه.
كان الأمين العام بنعبد الله سيكون ذكيا لو انه نأى بنفسه عن الدخول للحكومة الحالية واقترح أسماء جديدة من جيل الشباب، لكنه أخلف الموعد، لذا سيصبح كل الرهان داخل هذا الحزب من هذا الزلزال هو البرهنة على أن بإمكانه أن يتخلص من أسر أمينه العام وأن يثبث أن الحزب قادر على إنجاب وزراء آخرين، وهذا ما سيشكل ثورة على مقاس حزب صغير كالتقدم والاشتراكية.
بالمناسبة يبدو أن أغلب الاحزاب المغربية تعاني خللا بنيويا في التجدد التلقائي للاستمرار بسلاسة على قيد الحياة، هذا الإعفاء سيكون هدية للحزب لتجديد دمائه، لا يهم أن تأتي دفقة التغيير من خارج الحزب، المهم أنها قد اتت. هذا الإعفاء قد يشكل بداية حياة جديدة لحزب التقدم والاشتراكية او قد يكون نهاية له، ذلك متوقف على حسن تقدير أعضائه للموقف ولإمكانياتهم.
كيف تقيمون عدم استثناء الزلزال السياسي للوزراء التكنوقراطيين؟
التكنوقراط شكلوا دائما رافدا من روافد الأغلبية في الحكومات المتعاقبة، وهذا أمر يبدوا متفقا عليه، بل ومطلوبا أيضا نظرا لغياب بعض “البروفيلات” لدى الأحزاب، ولطبيعة بعض الوزارات وطبيعة النظام والمجتمع المغربي.
إعفاء التكنوقراط يشير إلى أنه لا أحد بمنأى عن المحاسبة، وأن سيف الإعفاء يطال الكل، وأنه لا عاصم للوزراء متحزبين و غير متحزبين غير كفاءتهم وخبرتهم وإبداعهم في إيجاد الحلول لمشاكل قطاعاتهم، شمل حزب التقنقراط -إذا شئنا تسميته كذلك- بهذه الرجة الحكومية إشارة إلى أنه لا وجود لسوبر وزير أو لوزراء درجة أولى، فالكل سواسية، وهذا سيظهر ويتضح أكثر في المستقبل، وكذلك يمكن اعتبار توبيخ وإقالة هذه الطينة من المسؤولين مؤشرا على حيادية تقرير المجلس الأعلى للحسابات في التحقيقات التي أشرف عليها.
هل تعتقدون أنه قد حان الأوان لالتحاق حزب الاستقلال بالحكومة؟
حزب الاستقلال نجح في مؤتمره الأخير على المستويين الديمقراطي والتنظيمي، فقد أثبت على الأقل أنه حزب حي، وليس حزبا جامدا يشكو من التكلس والسكون، وونزار بركة امينه العام الجديد شاب مثقف على دراية واطلاع بالملفات وصورته كرجل دولة ناصعة جدا، كما ان رئاسته للمجلس الاقتصادي والاجتماعي تجعله في قلب التصورات والرؤى والمشاريع التي تتبناها الدولة على المستوى المتوسط والبعيد .
وكذلك فحزب الاستقلال له من التجربة، ومن الأطر ما يجعله قادرا على الاضطلاع بمهام حكومية، لكن هل السياق ملائم؟ وهل نضجت الظروف؟ يجب ألا ننسى في هذا الصدد أن الحزب دخل مرحلة بناء جديدة ومنكب عليها بكل قواه، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن الأمر يتعلق بترميم للحكومة وتعويض للوزراء المعفيين كما ورد في لغة بلاغ القصر، كما أن الدكتور العثماني رئيس الحكومة أعلن أنه يعول أولا على قطع غيار الأحزاب المكونة حاليا للأغلبية الحكومية بالإضافة إلى أن حصر النقاش على مناصب الوزراء المقالين يضيق هامش المفاوضة أمام حزب الاستقلال الذي ربما يطمح لمشاركة وازنة تعيد مناقشة البنيان الحكومي في شموليته وبرمته، وهذا ما ليس متاحا الآن بشكل واضح إلا اذا تمخضت الأيام المقبلة عن مفاجآت أو عن وقائع جديدة تزيد من قلب المعطيات فنحن أمام حقل حزبي جد متحرك يمكن له دائما أن يؤثر في بنية الحكومة وتشكيلتها.
مملكتنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا.م.ش.س
![]()








