الخدمة العسكرية بالمغرب … أية أفاق ؟
حميد ملاح
ما من شك في أن التجنيد الإجباري تعود جذوره إلى ما قبل الميلاد حيث لجأت بعض الحواضر والمدن اليونانية إلى تجنيد المرتزقة للدفاع عن أراضيها كلما تعرضت لغزو أو تهديد عسكري من الكيانات السياسية المجاورة لها.
وقد ظهر سنة 1733 في مملكة بروسيا، وكان الهدف من ذلك زيادة أعداد الجنود نظرا للحروب الكثيرة التي سادت أوروبا في تلك المرحلة. وفي عام 1798، ظهرت الخدمة العسكرية لأول مرة في فرنسا، وأُخضعت في البداية لمبدأ الإنتقاء ولم تعمم إلا عام 1805، وتم إلغاؤها في فرنسا إثر سقوط الإمبراطورية الأولى وعودة الملكية عام 1814، بيد أنها أُقرت مجددا مع نشوب الحرب البروسية- الفرنسية عام 1870. وفي عام 1905، تم تعديل الخدمة العسكرية لتُصبح إجبارية.
وفي المغرب يعود أول مرسوم ملكي متعلق بإحداث وتنظيم الخدمة العسكرية إلى سنة 1966، وكانت مدة التجنيد الإجباري تستغرق 18 شهراً.
واليوم عادت الخدمة العسكرية من جديد بعدما تم حدفها سنة 2007، حيث ستقوم الحكومة المغربية بانعقاد مجلس للحكومة يوم الاثنين 20 غشت ، تزامنا مع احتفال الشعب المغربي بذكرى ثورة الملك والشعب، بغية المصادقة على مشروع قانون جديد ينظم الخدمة العسكرية بالمغرب (44.18).
والجدير بالذكر أن التجنيد الإجباري مايزال معمولا به في عدد من الدول المتقدمة مثل فرنسا وبريطانيا، وعدد من الدول العربية كمصر والجزائر.
وتعالت أصوات مؤسسات المجتمع المدني مطالبة بإعادة فرض الخدمة العسكرية على الشباب المغربي كما كان معمولا به في السابق وذلك لمواجهة تفشي تعاطي المخدرات والسلوكات الإجرامية بخاصة فئة الشباب.
وأثارت إعادة طرح هذا القانون، في هذه الفترة بالذات، جدلاً واسعاً داخل مواقع التواصل الاجتماعي بالمغرب بين مؤيد ومعارض.
الفئة الأولى اعتبرت أن هذا القانون من شأنه إنقاذ الشباب من السقوط في براثن الظواهر الإجرامية والإدمان، إذ يجعلهم أكثر تحملاً للمسؤولية ويَحُدّ من ظاهرة البطالة التي تعرفها البلاد، والقضاء بدون شك على ظاهرة المتأنثين والمتشبهين بالنساء التي انتشرت بشكل واسع خصوصا بعد الإنفتاح على الثورة التكنولوجية والرقمية، والتي تتنافى مع تقاليدنا وديننا الحنيف.
والفئة الثانية المعارضة عللوا ذلك بكون أن الخدمة العسكرية قد تخول لبعض الشباب ذوي ميولات متطرفة أو إجرامية التعرف عن كثب على تقنيات وأساليب استعمال السلاح مما قد يؤدي في أخر المطاف إلى نتائج وخيمة.
و ينص الدستور المغربي باعتباره أسمى قانون في البلاد في فصله 39 على ما يلي : ” يساهم كل المواطنات والمواطنين في الدفاع عن الوطن ووحدته الترابية تجاه أي عدوان أو تهديد “
و باستقراء الفصل أعلاه يتبين لنا جليا أن الدفاع عن الوطن هو واجب دستوري ومسؤولية جماعية ينبغي أن يشارك فيه كل مكونات المجتمع، لأممنة الوطن وترسيخ لقيم المواطنة والوحدة الوطنية التي تعتبر أساس استقرار الدولة ونمائها وهي أساس قيام أي دولة حديثة، والتضحية في سبيل الوطن. كما أن اتاحة الفرصة أمام الشباب المغربي للمشاركة في شرف الاستعداد للذود عن الوطن وتحمل مسؤولية الدفاع عنه، سيؤدي لا محالة إلى حماية الوطن والتصدي لكل متربص، أو مجرم أو مغرض، أو طامع يهدده.
ولا ننسى أن الدفاع عن الوطن واجب شرعي، بمعنى أن خدمة الوطن والدفاع عنه والحفاظ على مكتسباته، والسعي الدائم لترقيته ورفعته، أمر جوهري، في الدين الإسلامي، لأنه مرتبط بالوجود، ويستند إلى الفطرة.
في ذات السياق، ان الخدمة العسكرية من شأنها كذلك بناء جيش قوي على أعلى مستوى من الإنضباط والحزم والصرامة والقوة، قادر على حماية الوطن من كل التهديدات ومواجهة كل التحديات الإقليمية، والقضاء على الإرهاب والجريمة المنظمة وغيرها من الجرائم التي تعرفها المنطقة بسبب ما يعرف بالربيع العربي ونتائجه السلبية. فضلاً عن عدد من المكتسبات منها بناء جيل جديد واثق يمتلك الشخصية والمواطنة الصالحة، والحفاظ على الهوية الوطنية، وتعميق روح المواطنة والتضحية، ودعم جهود التوطين في الدولة، وتعزيز الثقة واحترام الذات.
وتشكل الخدمة العسكرية علامة مضيئة وضرورة قصوى في ظل ما يشهده العالم اليوم من أحداث بفضل التقدم الهائل للإتصالات والمواصلات اللذين مكنا من سرعة إنتقال البشر إلى أي مكان في العالم بحيث أصبح هذا الأخير قرية صغيرة.
إن الدولة تضع آمالاً على مشروع الخدمة العسكرية، الذي يعبر في روحه ومضمونه عن رؤية استراتيجية لصهر أبناء الوطن وتحقيق الانسجام والتناغم وتوحيد الهدف لكل فرد يشارك في أداء هذه الخدمة ومستقبلها الذي يتماشى والمستجدات التي يفرضها واقع القرن الـ21.
ويضاف إلى ما تقدم أن هذه الخدمة ستنعكس بالضرورة على تطلعات الشباب للمستقبل برؤية مختلفة، وتبعدهم عن كل السلوكات الخارجة عن القانون، وتدفع بمسيرة النمو إلى الأمام وتسهم بشكل أساسي في مسيرة التنمية الاجتماعية، وتحقيق الأمن الشامل مع الاحتفاظ بترسيخ القيم الاجتماعية السمحة.
مملكتنــــــا.م.ش.س








