أمير المؤمنين يرسيخ السياسة الدينية ويجديد آلياتها بخطاب عصري وحداثي
بخلاف بداية فترة حكم الملك الراحل الحسن الثاني، التي ركزت بالأساس على تأسيس مقومات الدولة العصرية بمرجعيات دينية ومنطلقات تقليدية، تركزت بداية حكم خلفه الملك محمد السادس على ترسيخ السياسة الدينية وتجديد آلياتها بخطاب عصري وحداثي. فطيلة السنوات التسع الأولى التي حكم فيها العاهل الجديد البلاد، انصبت جهوده بالأساس على إعادة تأهيل الحقل الديني من خلال العمل على توحيد الخطاب الديني ومركزة الأجهزة العلمية.
توحيد الخطاب الديني
انشغل الملك محمد السادس منذ توليه الحكم بإعادة بسط سيطرته على الحقل الديني بالمغرب. فبخلاف والده الذي لم ينشغل بالهاجس الديني إلا في بداية الثمانينات من القرن الماضي؛ حيث عمل على إعادة إحياء المجالس العلمية ومراقبة المساجد، وخلق شعب للفكر الإسلامي داخل الجامعات لمواجهة التيارات الفكرية العلمانية وإدماج بعض التنظيمات الإسلامية في المشهد السياسي مع حصار باقي التنظيمات الأخرى الاكثر تشددا، انصب اهتمام العاهل الحالي على بلورة استراتيجية تروم إعادة سيطرته على الحقل الديني.
ولعل هذا يرجع بالأساس إلى أنه بخلاف التحديات التي واجهت بداية حكم الملك الراحل الحسن الثاني والتي تمحورت بالأساس على مواجهة معارضة يسارية ذات توجهات فكرية علمانية أو سلفية على الصعيد الداخلي، وقوى خارجية إقليمية ذات نزوع قومي وجمهوري والتي تمثلت بالأساس في المد الناصري والبعثي، فقد واجه العاهل الجديد تحديات أخرى تجسدت بالأساس في الأخطار التي أصبحت تمثلها الحركات الدينية المتطرفة، سواء على الصعيد الخارجي من خلال انخراط النظام بعد أحداث 11 شتنبر 2001 في حرب الولايات المتحدة ضد الإرهاب الأصولي الذي تزعمته خلايا وتنظيمات القاعدة، أو الداخلي من خلال الهزة النفسية والسياسية التي أحدثتها انفجارات 16 ماي 2003 بالدار البيضاء لأركان النظام، الشيء الذي جعله ينخرط في بلورة سياسة أمنية تقوم على توجيه ضربات استباقية لكل أوكار التطرف، والانخراط في التعاون الاستخباراتي الدولي والمحلي، والعمل على الحد من البناء العشوائي ومدن الصفيح.
لكن إلى جانب هذه السياسة الأمنية، عمد النظام إلى بلورة سياسة دينية تروم بالأساس احتواء كل الانفلاتات الفكرية والإيديولوجية لهذا التطرف. فنتيجة لسياسة سلفه في فسح المجال أمام الفكر الوهابي لمقاومة التشيع الإيراني الذي تقوى بعد نجاح الثورة الخمينية، وظهور أئمة ووعاظ ذوي توجهات فكرية ودينية تناقض ثوابت الخطاب الديني الرسمي، بالإضافة إلى الأفكار المتطرفة التي أصبحت تروج بين شباب الجاليات المغربية بالخارج، بدا للملك أنه لضمان احتكاره مكونات الحقل الديني وتقوية صلاحياته كأمير للمؤمنين، فإنه من الضروري، العمل على إعادة توحيد الخطاب الديني، خاصة بعد إصدار فتاوى تتعارض مع التوجه الديني والرسمي للدولة.
وقد ظهر ذلك بالخصوص من خلال تركيز مهمة الإفتاء في المجلس الأعلى للعلماء. قام هذا الأخير، بتوجيهات من العاهل المغربي، بإنشاء هيئة علمية للإفتاء تابعة للمجلس تضم 15 عضوا مهمتهم الإفتاء في قضايا دينية معينة أو الرد على فتاوى صادرة عن جهات دينية، سواء كانت خارجية ، أو الضجة الإعلامية والصحافية التي أثيرت مؤخرا حول فتوى المغراوي التي أباحت تزويج بنت تسع سنوات قياسا بزواج النبي بعائشة وهي لم تصل بعد سن البلوغ.
ولعل ردود المجلس العلمي بهذا الصدد كانت تمهيدا للرسالة الملكية التي ألقاها الملك أمام ثلة من أعضاء المجالس العلمية بالمملكة بمسجد محمد السادس بتطوان في 27 شتنبر 2008، التي تزامنت مع ليلة القدر. فهذه الأجواء والطقوس التي أحاطت بإلقاء هذه الرسالة كانت تبتغي إضفاء صبغة روحانية وقدسية على العلاقة التي تجمع بين الملك بوصفه أمير المؤمنين والأعضاء المنضوين ضمن المجالس العلمية.
فهذه الرمزية كانت تبطن الإشارة إلى أن الحقل الديني بالمغرب هو مجال مغلق يحتكر الكلام فيه شخص وحيد هو الملك بوصفه أمير المؤمنين، كما تبطن إحياء لعادات قديمة درج عليها السلاطين السابقون، الشيء الذي ذكر به الكاتب العام للمجلس الأعلى محمد يسف أثناء استضافته من طرف القناة الأولى ليلة الأحد 28 شتنبر 2008.
وقد تضمنت هذه الرسالة الملكية رسم الخطوط العريضة لتوحيد الخطاب الديني واحتواء أية انفلاتات فيه؛ حيث أكد الملك “أننا لعازمون على المضي قدما، للارتقاء بالشأن الديني… باعتباره في صلب الإصلاحات الوطنية الحيوية التي نقودها، وفي مقدمتها توفير الأمن الروحي والحفاظ على الهوية الدينية الإسلامية المغربية، المتميزة بلزوم السنة والجماعة والوسطية والاعتدال والانفتاح والدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة وما يرتبط بها من مبادئ الإسلام السمحة”.
كما توجه إلى أعضاء المجالس العلمية بالقول: “إن جوهر رسالتكم الروحية العمل الدائم على إشاعة الطمأنينة والسلام، والحث على التنافس في العمل البناء، ومحاربة التطرف والانغلاق والإرهاب، بإشاعة القيم المثلى تحصينا لبلادنا من الآفات المقيتة للغلو والتعصب”.
وفي السياق نفسه أيضا، دعا الملك، في رسالته سالفة الذكر، إلى تفعيل خطة ميثاق العلماء من خلال تأهيل أئمة المساجد، سواء في البوادي أو المدن، وفق برنامج يشرف عليه المجلس الأعلى للعلماء بتنسيق مع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية (لتوعية عامة الناس وتوجيههم ومحاربة وتفنيد أضاليل التطرف).
مركزة المجالس العلمية
لقد عمل العاهل المغربي، منذ توليه العرش، على الزيادة في عدد المجالس العلمية الإقليمية والمحلية. وهكذا تم الرفع من عددها إلى 19 مجلسا إقليميا؛ حيث تم خلق 5 مجالس علمية جديدة شملت المجلس العلمي لمدن القنيطرة، وبني ملال، وسطات، والحسيمة وكلميم.
وواصل الملك هذا التوجه؛ حيث قام في سنة 2004 بالرفع، من جديد، من عدد هذه المجالس ليصل عددها إلى 30 مجلسا محليا.
لكن يبدو أن هذا العدد لم يعد كافيا بالنسبة لضبط السلطة لمجالها الديني؛ حيث أعلن الملك محمد السادس، من خلال رسالته السالفة الذكر، عن إعادة النظر في خريطة هذه المجالس العلمية. فقد تقرر الرفع من عدد هذه المجالس من 30 مجلسا علميا إلى 70 مجلسا؛ إذ وفق هذه الخريطة الجديدة، سيتشكل داخل كل عمالة وإقليم مجلس علمي. وبذلك أصبح التأطير الديني على غرار التأطير الإداري يغطي كل أنحاء المملكة، مما يعكس التوجه الرسمي في تكريس مركزة الدولة لمجالها الديني وضبط مختلف مكوناته، بما في ذلك ربط القيمين الدينيين بالمؤسسة الملكية؛ حيث تقرر إحداث مؤسسة محمد السادس للنهوض بالأعمال الاجتماعية الخاصة بهذه الفئة.
ولم تقتصر هذه المركزة على المجال الديني الداخلي، بل شمل الأمر أيضا الجاليات المغربية بالخارج؛ حيث عيّن الملك في هذا السياق السيد الطاهر التجكاني رئيسا للمجلس العلمي للمغاربة القاطنين بأوروبا، وأسندت له مهمة التأطير الديني لهذه الشريحة واحتواء أية انفلاتات مذهبية أو فكرية بين صفوفها. وبذلك تكون السلطة قد وضعت اللبنة الأساسية لمركزة مجالها الديني بالخارج والعمل على ضبط مكوناته التي يمكن أن تشكل خطرا على إشعاعها الديني واستقرارها العقدي. ولعل إرسال وزارة الأوقاف مجموعة من الوعاظ إلى مختلف الجاليات المغربية بأوروبا يندرج في هذا السياق .
مملكتنا.م.ش.س






