الزيارات الملكية إلى الإفريقية تكتسي رمزية دينية خاصة
منذ تولي أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس العرش ، توالت زياراته إلى العديد من الدول الإفريقية، همت في البداية بعض دول غرب إفريقيا كالسنغال، والغابون، ومالي والنيجر، لتمتد في الآونة الأخيرة إلى بعض دول شرق إفريقيا الأنجلوفونية كرواندا وتنزانيا. وتدخل هذه الزيارات الملكية المتتالية إلى بعض الدول الإفريقية ضمن دبلوماسية ملكية هجومية يختلط فيها البعد الديني بالبعد السياسي.
فبالإضافة إلى طابعها الدبلوماسي والاقتصادي، اكتست الزيارات الملكية إلى هذه البلدان الإفريقية، سواء بغرب القارة أو شرقها، رمزية دينية خاصة. وهكذا ارتكز التحرك الدبلوماسي للملك محمد السادس ليس بوصفه رئيسا لدولة أو ملكا فقط، بل أيضا بصفته أميرا للمؤمنين. وقد انعكس ذلك من خلال موافقة وزارة الأوقاف قبل الزيارة الملكية إلى بعض هذه الدول الإفريقية، وبأمر من جلالة الملك، على تأطير ديني للقيمين في كل من تونس وليبيا ومالي، التي تعاني كلها من الانعكاسات السلبية للتطرف الديني.
بالإضافة إلى أنه خلال هذه الزيارات الملكية، والتي عادة ما يكون وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية ضمن الوفد الرسمي المرافق للملك، يقوم الملك كأمير للمؤمنين بتوزيع آلاف من المصاحف بقراءة ورش في كل بلد من هذه البلدان. كما تميزت زيارته إلى هذه البلدان كالسنغال بترميم بعض المساجد بها، والالتقاء ببعض الطرق الصوفية النشيطة هناك، وعلى رأسها الطريقة التيجانية؛ حيث تم التوقيع على اتفاقية بين هذه الطريقة وشركة الخطوط الملكية المغربية لنقل مريديها إلى فاس، مدفن شيخ الطريقة، بأثمان تفضيلية.
كما حرص الملك خلال زياراته إلى هذه البلدان الإفريقية المسلمة على أن يؤدي صلاة الجمعة في بعض مساجدها في إطار الطقوس الخاصة بأمير المؤمنين، ومن بينها الصلاة على زربية ذات ألوان خاصة تحدد المجال المقدس الذي لا ينبغي لأي أحد من النخبة المصلية تجاوزه حتى ولو كان رئيس الدولة المضيفة. بالإضافة إلى أن مراسيم أداء الصلاة وخطبة الجمعة عادة ما كانت تشبه إلى حد بعيد المراسيم التي يؤدي بها الملك صلواته بمساجد المغرب.
وهكذا، “بعد أداء أذان صلاة الجمعة بالطريقة المغربية، في قلب المسجد الكبير للعاصمة السنغالية داكار الذي يشبه في تصميمه المعماري المساجد المغربية الكبرى، تطرق الخطيب في حضور الملك محمد السادس، والأمير مولاي إسماعيل، والرئيس السنغالي، ماكي سال، إلى ما سماها الخيرات التي تحف زيارة العاهل المغربي إلى السنغال. وقال خطيب المسجد الكبير بداكار، إنه بحلول ملك المغرب ضيفا كبيرا على دولة السنغال، هلت ألوان اليمن والبركة، وحفت نسائم البشر، وازدهرت بوجوده مشاريع النماء والزيادة”، واصفا العاهل المغربي بأنه “ملك صالح مصلح مقتد لنهج سلفه الكرام”. وتحدث الخطيب، الذي بدت عليه ملامح الحماسة، عن معالم الأخوة في الله، والمحبة التي توجد بين أناس تعاقدت قلوبهم على الحب والوفاء، ضاربا المثال بالعلاقة بين المغرب والسنغال، وتحديدا بين الملك محمد السادس والرئيس السنغالي، ماكي سال، مصداقا لقول الرسول “كونوا عباد الله إخوانا”.
ودعا خطيب الجمعة الله أن يحيط هذه الأخوة بين المغرب والسنغال، قيادة وشعبا، والداعين إليها، بكل أسباب الحفظ والصون، قبل أن يرفع أكف الضراعة إلى العلي القدير بأن يرزق العاهل المغربي النصر والسلامة في حله وترحاله.
وذكر المتحدث، الذي خصص الجزء الأول من خطبته لموضوع مغفرة الله لعباده، بأن أهل داكار لا زالوا يذكرون بكل فخر زيارة الملك الراحل، الحسن الثاني، على السنغال، وإشرافه على تدشين وافتتاح هذا المسجد العامر سنة 1964، في عهد الرئيس السنغالي ليوبولد سنغور”.
وعلى الغرار نفسه، قام الملك في زيارته إلى تنزانيا بإعطاء انطلاقة أشغال بناء مسجد بدار السلام استجابة لطلب تقدم به المفتي الشيخ أبو بكر بن زبير بن علي، رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بتنزانيا؛ حيث عبر عن الحاجة الملحة إلى مسجد ومرافقه بالمدينة. كما قام الملك كأمير للمؤمنين بأداء صلاة الجمعة إبان مقامه بزنجبار ضمن مراسيم دينية تذكر بمراسيم الدروس الحسنية التي تنعقد كل رمضان بالمملكة، وصفت من خلال ما يلي :
“أدى أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، مرفوقا بصاحب السمو الأمير مولاي إسماعيل، ورئيس زنجبار السيد محمد علي الشين، اليوم، صلاة الجمعة بمسجد الشورى بزنجبار بجمهورية تنزانيا الاتحادية. وأكد الخطيب في خطبة الجمعة أن ساكنة زنجبار تتشرف باستقبال أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، ملك المملكة المغربية الشقيقة حفظه الله وأطال عمره على طاعته ورعاه.
وأضاف الخطيب أن “هذا دليل واضح على الروابط الأخوية القوية بين زنجبار والمغرب الشقيقين مصداقا لقوله تعالى: “إنما المؤمنون إخوة”، سورة الحجرات، وقول المصطفى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد…”، الحديث.
ومثل هذه الأخوة، يقول الخطيب، تذكرنا بهجرة رسول الله صلى عليه وسلم من مكة إلى المدينة؛ حيث أنشأ الأخوة بين المهاجرين والأنصار، مضيفا: “ونحن في استقبال أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس ملك المملكة المغربية الشقيقة حفظه الله، نستقبل حفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو القائل (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنتي)، وفي بعض الروايات زاد وعثرتي؛ أي ذريتي.
وعبر عن الامتنان لأمير المؤمنين الذي بادر في دار السلام ببناء مسجد كبير، كما ترأس جلالته حفل التوقيع على اتفاقيات لإنشاء عدة مشاريع مشتركة تعود على الناس بالخير الكثير.
واستحضر الخطيب ما ورد في بناء المساجد ولزومها من أحاديث، منها قوله صلى الله عليه وسلم: “إذا رأيتم الرجل يرتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان”، وفي حديث آخر: “من بنى مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتا في الجنة”.
وفي الختام، ابتهل الخطيب إلى الله تعالى بأن يحفظ صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، ويكون له ذرعا واقيا من كل سوء ويوفق جلالته لكل خير للمضي قدما في إرساء مبادئ التعاون والأخوة بين الشعوب الإفريقية.
وفي أعقاب صلاة الجمعة تفضل أمير المؤمنين بإهداء الجهات المكلفة بتدبير الشأن الديني بزنجبار 10 آلاف نسخة من المصحف المحمدي الشريف”.
مملكتنا.م.ش.س






