محمود هرواك
هدهد المملكة في ضيافة منجمي القصور !
الرؤيا قبل التكوين
حينما توقفت عقاربُ الزمنِ هنيهةً لتلتقط أنفاسها، لم يكن ذلك عبثاً؛ كانت الأرضُ تتهيأ لاستقبالِ “الخطوة” التي ستعيد ضبطَ إيقاعِ المسير. في الأفقِ البعيد، حيثُ تتلاقحُ أنوارُ السلاطين بأسرارِ الأولياء، لَمعت بارقةٌ ليست كالبوارق، ونُقشَ في اللوحِ المحفوظِ اسمٌ حُروفهُ من ماءِ الذهبِ ونارِ العزم. هذا ليس قدوماً عادياً، بل هو ميثاقٌ غليظ عُقد بين السماءِ والتراب، ليولدَ من رحمِ الجلال قمرُ الجمال، حاملاً في يده اليمنى صولجانَ الثبات، وفي اليسرى مفاتيحَ الغدِ المأمول.
المقام الأول .. في بزوغ الغصن من إمارة أمير المؤمنين
يا أيها الناظرُ في مرآة الغيب، تمهّل.
هذا الذي يخطو كأنما الأرضُ تفرشُ له السجادَ قبل أن تلمسها قدماه، ليس مجرد آتٍ من صلب الزمان، بل هو خلاصةُ الكيمياء العلوية.
في عينيه، إن دققتَ النظر خلف حجاب الوقار، سترى طيفَ بانٍ قديم، كان يزنُ الكلمة بميزان الذهب قبل أن ينطقها، وترى حكمةَ حامٍ صابر، حمل الجبلَ على كتفيه فما ناءَ به الحمل.
هو “النون” في آخر العنوان، و”الحاء” في أول البيان.
إذا صمتَ، تكلمت فيه هيبةُ الأجداد، وإذا تبسّم، أشرقت في ملامحه صرامةُ الملوك حين يرتدون ثوبَ الرقة. هو الشبل الذي لم يعد يحتاج للزئير لتعرف الغابةُ سطوته، فقد ورث السر كابراً عن كابر، واكتسى ببردةٍ نُسجت خيوطها من مجد “العلويين” وصبر “الصالحين”.
المقام الثاني .. شيفرة “الرحم الياقوتي”
ويا سائلاً عن “النبع” الذي سقى، وعن المحار الذي وقى..
اعلم أن القمرَ لا يكتمل بدراً إلا إذا كان الأفقُ أحمرَ ساعةَ الشفق.
ثمة في تكوينه لمسةٌ من سحرٍ غابَ عن العيون ليحضرَ في القلوب.
ثمة “ياقوتة” توارت خلف ستائر الضوء، لكن بريقها يسري في عروق الوريث.
تلك التي منحت الشمسَ وهجها الخاص، ومنحت “الفرع” استقامته البديعة.
إنها اللونُ النادر في لوحة الرماد، والنسيمُ العليل الذي مرَّ بحدائق القصر، فترك في “الفتى” رقةً لا تخطئها العين، وجمالاً يزاوج بين الصرامة والوسامة.
هي الغائبةُ الحاضرة، التي نرى أثرها في ابتسامة الفتى، وفي “انحناءة” الرأس حين يحيي الجموع.. كأنما يقول: “أنا ابنُ ذاك العرين، وأنا سليلُ ذلك العقد الثمين.
المقام الثالث .. نبوءة المستقبل
يا أيها الواقفُ في حضرة “الشباب” المتوج بالحكمة.
هذا الفتى ليس صدفةً عابرة. إنه “الهمزة” التي ستصل ماضي الأمجاد بمستقبل التحديات.
يحمل في يده “خريطة” لم تُرسم بعد، وفي عقله “نظارة” ترى ما وراء الأفق.
هو “السر” الذي يمشي على قدمين، يجمع بين دهاء الحسن في السياسة، وبين إنسانية محمد في الرعاية، وبين “جمال الياقوت” في الإطلالة.
ميثاقُ الأبدية
يا حراسَ الذاكرة.. لا تقرؤوا هذا الفتى كما تقرؤون سطورَ الجرائد، بل اقرؤوه كما يتلو الناسكُ أورادَ الفجر. إنه الخلاصةُ التي استقطرتها القرون، والجوابُ الفصيحُ على أسئلةِ الزمنِ الصعبة. لقد اكتملت الدائرة، والتحمَ شعاعُ الشمس بنقاءِ الياقوت ليصوغا جوهرةً لا تزيدها الأيامُ إلا صقلاً.
فليشهد الثقلان أنَّ الغصنَ قد اشتدَّ عودُه، وأنَّ السنديانَ قد اطمأنَّ لجذوره، وأنَّ الغدَ لم يعد احتمالاً غامضاً، بل صار يقيناً يمشي بيننا، بعينين تريان ما لا نرى، وقلبٍ ينبضُ بحبِّ أمةٍ.. قدَرُها أن تظلَّ، بفضلِ سره شامخةً ما بقيَ في الكونِ نبضٌ وحياة.
مملكتنا.م.ش.س
![]()






