محمود هرواك
ليس القفطانُ ثوباً يُحاك، ولا قماشاً يُقص، ولا خيوطاً تتشابك في صمت؛ بل هو جلدُ الذاكرة المغربية، ووشمُ القرون على جسد الهوية، وسِفرُ الأندلس المفقود الذي خبأه المغاربة في صدورهم وصناديق عرائسهم. إنه “السردية” التي كُتبت بالإبرة لا بالقلم، وبالذهب لا بالحبر، لتحكي قصة إمبراطورية شريفة لم تنحنِ يوماً إلا لخالقها.
سيكولوجية السطو .. عقدة “اللاأصل”
في السنوات العجاف الأخيرة، طفت على سطح المشهد “طحالب” تحاول عبثاً أن تتسلق “سنديانة” التراث المغربي الشامخة. لم تكن تلك المحاولات من لدن الجيران مجرد مناكفات عابرة، بل كانت تعبيراً صارخاً عن فراغ حضاري مهول، ومحاولة يائسة لترقيع ثقوب الهوية بقطع من رداء الجار.
لقد وقف هؤلاء “الطارئون على التاريخ” موقفَ الظل من الجسد؛ يحاول الظل أن يسبق صاحبه، لكنه يظل مجرد بقعة معتمة تابعة، لا حياة فيها ولا نبض. إن محاولات السطو على القفطان لم تكن سرقة لقطعة قماش، بل كانت محاولة لسرقة “الجينات الحضارية”، وتزويراً فجاً لشهادة ميلاد أمة ضاربة جذورها في عمق الزمن، من المرابطين إلى الموحدين، ومن السعديين إلى العلويين.
الثالث عشر من دجنبر .. مطرقة الحق
يأتي الثالث عشر من دجنبر المقبل، ليس كموعد في الروزنامة، بل كفاصلة حاسمة في جملة التاريخ الطويلة. إنه اليوم الذي ستضرب فيه “اليونسكو” بمطرقتها لتعلن ما يعرفه الحجر والشجر: أن القفطان مغربيّ الهوى، مغربيّ المنشأ، مغربيّ الروح.
سيكون هذا التسجيل بمثابة “صك ملكية” عالمي، يخرس الألسنة التي أدمنت الهذيان، ويقطع الأيادي القصيرة التي تطاولت على العمالقة. إنه انتصار للدبلوماسية الثقافية المغربية التي اشتغلت بصبر “المعلم” وحكمة “الصانع”، تنسج ملفاتها كما تنسج “السفيفة” و”العقاد”، غرزة غرزة، بحجة دامغة وبرهان ساطع.
تشريح العبقرية .. لماذا لا يُقلد القفطان؟
يخطئ من يظن أن القفطان مجرد تصميم؛ إنه “هندسة روحية”.
في الاستعارة: هو كشجرة الزيتون، جذورها في الأرض وفروعها تعانق السماء، لا تنبت إلا في تربتها.
في الكناية: هو “عزة النفس” التي يرتديها المغربي، فلا يرضى بالدون.
في التاريخ: هو الشاهد على أن فاس ومراكش وتطوان كانت عواصم للجمال حين كان الآخرون يبحثون عن أسماء لمدنهم.
إن الصنعة المغربية (المعلم) هي “شيفرة وراثية” تنتقل من الأب إلى الابن، ومن المعلم إلى المتعلم، في طقوس مقدسة لا يمكن استنساخها في مصانع التزييف. لذا، يخرج قفطانهم “مسخاً” مشوهاً، بلا روح، كتمثال من شمع يحاول تقليد بشر من لحم ودم؛ لأن السر ليس في “المقص”، بل في “الأنفاس” التي رافقت الغرزة.
الشمس لا تحتاج إلى إثبات
لا يضيرُ الشمسَ نباحُ من يكرهُ الضوء، ولا ينقصُ من قدرِ “المنصور الذهبي” حسدُ العاجزين. سيبقى القفطان المغربي تاجاً على رؤوس النساء، وسفيراً فوق العادة في محافل الملوك والأمراء.
يوم الثالث عشر من دجنبر، سيكتب العالم بمداد من نور: “هنا المغرب.. هنا الأصل.. والبقية مجرد صدى”. لقد انتهت اللعبة، وعاد “لصوص التراث” إلى حجمهم الطبيعي، مجرد هوامش في كتاب المغرب العظيم.
مملكتنا.م.ش.س
![]()







