الرباط – في سياق مناخي اتسم خلال سنوات متتالية بندرة الأمطار وتوالي مواسم الجفاف أثارت التساقطات المطرية التي عرفتها مختلف مناطق المغرب خلال الفترة الأخيرة نقاشًا واسعًا حول طبيعتها وحدود تأثيرها، وما إذا كانت مجرد وضعية ظرفية مرتبطة بتقلبات مناخية عابرة أم مؤشرا أوليا على تحول أعمق في النسق المناخي الذي تعرفه المملكة.
وفي خضم هذا النقاش تُطرح تساؤلات حول ما إذا كانت التساقطات المسجلة غيثًا استثنائيًا ومؤقتًا، مع احتمال العودة إلى الوضع المناخي الجاف الذي طبع المرحلة السابقة، أم إنها بداية مرحلة جديدة قد تحمل ملامح تحسن مناخي نسبي، قائم على وفرة الأمطار واستمرارها خلال السنوات المقبلة.
عبد الحق الهاشمي، أستاذ جامعي في الجغرافيا والتنمية الترابية، قال إن “الجفاف المناخي في العروض شبه المدارية يُعد قاعدة ثابتة، في حين تبقى الأمطار استثناء في انتظامها”، مبرزًا أن “موقع المغرب ضمن هذه العروض يجعله خاضعًا بشكل بنيوي لشروط مناخية خاصة”.
وأوضح الهاشمي أن “سيطرة الضغط الديناميكي المرتفع الآصوري تشكل المحدد الأساسي للحالة الجوية بالمغرب”، مبرزًا أن “الغلاف الجوي في هذه العروض تحكمه دينامية نزول هوائي وضغوط مرتفعة سائدة، وهو ما لا يسمح بحدوث التساقطات كقاعدة عامة”.
وأشار المتحدث ذاته، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، إلى أن “الاستثناء المناخي يرتبط بتغير الحالة الجوية ونشاط منخفضات جوية مؤقتة”، موضحًا أن “طول أو قصر فترات الجفاف يظل مرتبطًا مباشرة بدينامية المرتفع الآصوري وتحركاته”.
من جانبه قال عبد الحكيم الفيلالي، أستاذ جامعي وخبير في الماء والمناخ، إن “التساقطات المطرية في المغرب، في حقيقتها، ليست قاعدة بل استثناءً، إذ ترتبط هذا الموسم بظروف فيزيائية، أولها ما تُعرف بالذبذبة الأطلنتية الشمالية السالبة، حيث يكون فارق الضغط بين المرتفع الآصوري والمنخفض الإيسلندي ضعيفًا، وعندما يضعف المرتفع الآصوري يتحرك، فاتحًا المجال أمام توغل كتل هوائية رطبة قادمة من الشمال والشمال الغربي”.
وأضاف المتحدث ذاته، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “هذا الوضع، في حد ذاته، له شروط أخرى، من بينها وجود انعطاف في مسار التيار النفاث القطبي، إضافة إلى العلاقة غير المباشرة المرتبطة بظاهرة الذبذبة التي تقع في المحيط الهادي، أي ظاهرة ‘النينيا’، التي يكون لها انعكاس غير مباشر على ما يحدث بشمال المحيط الأطلنتي”.
وأكد الأستاذ الجامعي نفسه أن “الجفاف في المغرب هو القاعدة، لكن ما نعيشه حاليًا من ظروف يجعل من الصعب، بكل موضوعية، على أي كان أن يجزم بأنها ستستمر خلال السنة المقبلة، لأن التنبؤ العلمي يجب أن يؤسَّس على وضعية المحيطات على الأقل خلال فصل الصيف القادم، إذ إن وضعية ‘النينيا’ قد تعطينا إشارات مهمة حول ما سيقع في المحيطات”.
وقال عبد الحكيم الفيلالي: “من الضروري أن نرى ما إذا كنا سنعيش من جديد حالة الذبذبة الأطلنتة الشمالية السلبية، التي تمنحنا تساقطات وتُساهم في تشكل المنخفضات، أم الذبذبة الأطلنتية الشمالية الموجبة، التي يكون فيها المرتفع الآصوري قويًا، وهو ما يتوافق غالبًا مع ظاهرة الجفاف، وبناءً عليه، وفي اعتقادي المتواضع، لا يمكن من الآن التنبؤ باستمرار التساقطات خلال الموسم القادم”.
وختم المصرح للجريدة توضيحه بالإشارة إلى أن “الاحترار الذي يعرفه العالم خلال العقود الأخيرة له انعكاس إيجابي على مستوى كمية المياه المتبخرة في المحيطات، وهو ما قد يؤدي إلى عودة التساقطات بشكل أكبر مما كانت عليه سابقًا، غير أن ذلك يظل، على المستوى المجالي، متغيرًا حسب تغير مراكز الضغوط الجوية، وحسب آليات النظام المناخي، أي تبادل الطاقة بين الغلاف الجوي والغلاف الصخري والغلاف المائي، أي المحيطات”.
مملكتنـــــــا.م.ش.س/و.م.ع
![]()








