محمود هرواك
ها قد ترجّل عبد الهادي بلخياط عن صهوة الحياة…
لا لأن الرحلة أنهكته،
بل لأن المقام اكتمل!
ولأن الصوت الذي علّم المغاربة كيف يُصلّون بالنغمة
عاد إلى أصله.
مات الذي غنّى للحب فصار الحب أكثر خجلا،
ومات الذي قال للروح: تعالي
فلبّت دون تردّد.
مات الذي وحّد الوجدان المغربي
لا بخطاب،
بل بجملة لحنية صادقة
تدخل القلب كما يدخل الضوء نافذة مفتوحة.
رحل عبد الهادي بلخياط…
فلم تنكسر الأسطوانة،
لكن الزمن سعل فجأة.
ولم ينقطع البث،
غير أن الصمت صار أوضح من الصوت.
وُلد في زمن كانت فيه الأغنية امتحانا للأخلاق قبل أن تكون استعراضا للصوت،
وتربّى فنيا حين كان المقام مسؤولية،
والكلمة أمانة،
والجمهور شريكا لا مستهلكا.
منذ بداياته الأولى، كان واضحا أن هذا الصوت
لا يريد أن يمر،
بل أن يبقى.
غنّى “القمر الأحمر”
فسألته الليالي عن سر البدر،
وغنّى عن الجرح
فصار الجرح لغة مشتركة،
وغنّى للحب لا كترف عابر
بل كقيمة إنسانية عليا.
كان إذا مدّ النفس في الجملة الموسيقية،
مدّ معها أعمارنا.
في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي،
حين كانت الأغنية المغربية تبحث عن صورتها في المرآة،
كان بلخياط أحد الذين ثبّتوا الملامح.
صوته كان وحده هوية.
صوتٌ إذا سمعته عرفت أنك هنا…
في المغرب،
في بيت فيه أم حنون وأب
وفي ذاكرة لا تزال نظيفة.
لم يكن فنان الضجيج،
ولا ابن المنصّات الصاخبة.
كان ابن المعنى.
يمشي بخطى وئيدة،
يختار نصوصه كما يختار المتصوف أوراده،
ويغنّي وكأنه يعتذر للنغمة قبل أن يطلقها.
ثم…
حين كان الجميع يظن أن المجد هو الذروة،
اختار عبد الهادي بلخياط النزول الطوعي من عرش الضوء،
لا سقوطا،
بل سموا.
انسحب من صخب الشهرة
ودخل في صمت العبادة.
فكان ذلك الدرس الأكبر:
أن الفن إذا لم يقدك إلى الأخلاق
فهو ضجيج مؤجل.
مات الذي ترك الميكروفون
ولم يترك القلوب.
مات الذي استبدل التصفيق بالابتهال،
والمنصّة بالمحراب،
فازدادت قامته بدل أن تصغر.
قليلون هم الفنانون
الذين يغادرون الفن
ليدخلوا التاريخ من باب الروح.
عبد الهادي بلخياط لم يمت…
هو فقط غيّر المقام.
من مقام الرست إلى مقام السكون،
من نغمة تُسمع
إلى أثر لا يُمحى.
اليوم،
تسأل الأغنية المغربية عن صوتها الأبوي،
فتجيبها الذاكرة:
مرّ من هنا رجل
غنّى بصدق
وعاش بنقاء
ورحل كما عاش…
نظيفا.
سلامٌ على صوتك
وهو يعبر من الإذاعات القديمة،
سلامٌ على صورتك
في بيوت المغاربة دون إطار،
وسلام على اسمك
وقد صار جزءا من تعريف الذوق.
رحم الله عبد الهادي بلخياط،
الفنان الذي علّمنا
أن أجمل الأصوات
هي تلك التي تعرف متى تصمت!
مملكتنــــــــا.م.ش.س
![]()








