محمود هرواك
يرفع اليوم سدنة حزب الأصالة والمعاصرة شارات التضامن مع سليلة الباشا المنصوري، في مشهد سريالي يختزل ارتباك البوصلة؛ تضامنٌ يبدو في ظاهره درعا وفي جوهره فزعا نفسيا من صرير أقلام كشفت المستور وأصوات أسمعت المخفي. فبعد عدة انتقادات لاذعة منشورة في كثير من الصحف أطلّ الصحافي توفيق بوعشرين في تحليل مجهري لآخر خرجات الأمينة العامة، فاطمة الزهراء المنصوري، فكان كمن وضع مرآة محدبة أمام خطاب سياسية أرادت له أن يكون عملاقا فبدت فيه التصدعات واضحة للعيان.
فن “التنكاف” السياسي والعروس التي تشكر نفسها! تعبير دقيق كان كفيلا ليخلق الجدل ويثير الردود تلو الأخرى! فلم يزد بوعشرين على وصف الواقع بلسان فصيح، حين استعار صورة “النكافة” التي تُفرط في تقريظ العروس وتزيين ملامحها؛ وهو تشبيهٌ بليغ لا يحمل قدحا بقدر ما يحمل تشخيصا لآفة المديح الذاتي المبالغ الذي يفتقر لشهود العدول. فالخطاب الذي بشرت فيه السيدة المنصوري بصدارةٍ انتخابية مطلقة وبحبٍّ جارف من المغاربة، لم يكن سوى محاولة لتجميل الخريف السياسي وتلوين الأوراق الذابلة بأصباغ الوعود، في قفزة بهلوانية فوق حبال الواقع المهترئة.
وبين مفارقات السلطة وجبّة المعارضة وقف التحليل عند أكثر ما يثير العجب؛ كيف لمن يمسك بزمام السلطة ويجلس على أريكة القرار أن يرتدي مسوح المعارضة؟ إنها محاولة مكشوفة للانسلال من جلد الجماعة؛ فالحزب الذي يقتسم رغيف الأغلبية يريد أن يظهر في ثوب صوت الشعب الناقد، وكأنه يمارس السياسة بعقلية “رِجل في القصر ورِجل في القفر”.
إنه علوٌّ بغير عماد وإنها لغة متعالية لا يسنُدها رصيد انتخابي راهن مع اغتراب الخطاب في محاولة لبيع السمك في البحر قبل أن تُلقى الشباك.
ولعل النقد كان يرقى إلى التوصيف الوجيع.. فما كان من لالة فاطمة الزهراء إلا أن حاولت الهروب إلى خندق العاطفة فحدث أن كان هذا الاستنفار الحزبي المحموم وحدث معه أن كُتبت البيانات والتدوينات التضامنية التي تتساقط كأوراق الخريف.. وكل ذلك ليس إلا اعترافا ضمنيا بأن النقد قد أصاب الحقيقة في مقتلها. فلو كان كلام بوعشرين زَبداً لذهب جفاءً، لكنه كان نصلاً غاص في هشاشة الخطاب، مما استدعى الاحتماء بعقلية القطيع وتحويل المساءلة العقلانية إلى مظلمة شخصية.
إن أكثر ما تحتاج ابنة مراكش “العاقة” لمسقط رأسها أن تعرفه أن السياسة التي تخشى النقد، هي سياسة تبني قلاعا من رمال، وأن الزعامة التي يستفزها التحليل كذاك الربان الذي يخشى مواجهة الموج!
إن تحويل النقاش من “مضمون الكلمة” إلى “شخص المتكلم” هو إفلاس بلاغي وسياسي بامتياز. فالحقيقة التي كشفها بوعشرين هي أن الخطاب لم يكن كما يصوِّر حواشي الوزيرة فقاعةً من الكلمات الكبيرة، وانفجارها لم يكن بسبب “تحامل” خارجي، بل بسبب ضغط الواقع الداخلي الذي لا يرحم الشعارات الجوفاء. فالسياسة لا تُدار بالتضامنات الموسمية! بل بوضوح المواقف وشجاعة المحاسبة.
مملكتنــــــا.م.ش.س/و.م.ع
![]()







