محمود هرواك
يواجه سكان دوار “بن بوشعيب” التابع لجماعة البخاتي بإقليم آسفي، وضعا شاذا يكرس مظاهر التهميش في أبهى تجلياته التكنولوجية، حيث تعيش الساكنة على وقع “حصار رقمي” تفرضه رداءة خدمات الاتصالات وانعدام تغطية الجيل الرابع (4G). هذا الوضع الذي بات يوصف بالعزلة الممنهجة، لم يعد مجرد ترف تقني بل تحول إلى عائق بنيوي يشل مفاصل الحياة اليومية، ويحرم المئات من حقهم الدستوري في الولوج إلى المعلومة والخدمات الرقمية التي أصبحت عصب الإدارة والتعليم في مغرب اليوم. ورغم سيل الشكايات التي تقاطرت على مصلحة الزبناء للفاعل التاريخي “اتصالات المغرب” عبر الرقم السيادي (888)، ورغم لجوء المتضررين إلى المنصات الرسمية للوكالة الوطنية لتقنين المواصلات، إلا أن صرخاتهم ظلت تائهة في فيافي البيروقراطية، دون أن تجد صدىً عمليا ينهي معاناة قرية بأكملها مع “السراب الرقمي”.
وما زاد من حدة الاحتقان الشعبي بالدوار، هو ما اعتبره السكان “استخفافا” من قبل المصالح التقنية للشركة المعنية؛ إذ سجلت المصادر المحلية بمرارة الزيارة الميدانية التي تمت في الثاني عشر من نونبر 2025، والتي وصفت بالصورية. فقد اكتفى التقني الموفد بقياس جودة الإشارة في الفضاءات المفتوحة وتحت السماء الزرقاء، متجاهلا أن المعاناة الحقيقية تكمن في “المنازل الإسمنتية” التي تتحول إلى سجون رقمية تنقطع داخلها الأنفاس الهاتفية وصبيب الإنترنت تماما. ولم يتوقف الأمر عند سوء التشخيص التقني، بل تعداه إلى سلوك اعتبره المتضررون غير مسؤول، حين صدرت عن الموظف تصريحات تهكمية تدعو الساكنة للجوء إلى الجهات المنظمة بدلا من تقديم حلول تقنية، في ضرب صارخ لأبسط قواعد اللباقة المهنية وواجب الإنصات الذي تتبجح به المؤسسات المواطنة في شعاراتها التسويقية.
إن تداعيات هذا الضعف في الشبكة باتت تلقي بظلالها القاتمة على المسار الدراسي لجيل من التلاميذ والطلبة، الذين يجدون أنفسهم في مواجهة “فجوة رقمية” تميز بينهم وبين أقرانهم في المدن؛ فبينما يطالب النظام التعليمي بالانخراط في المنصات البيداغوجية، يصطدم أبناء دوار “بن بوشعيب” بصبيب (3G) متهالك لا يقوى حتى على تحميل نص بسيط، مما يكرس نوعا من “اللامساواة” المجالية. ولا يقتصر الضرر على التعليم، بل يمتد ليشمل المهنيين والفلاحين الذين أصبحت معاملاتهم الإدارية والبنكية رهينة إشارة هاتفية مفقودة، مما يعمق الإحساس بالتهميش ويطرح تساؤلات حارقة حول جدوى الاستثمارات في البنية التحتية إذا كانت لا تشمل “مغرب الهامش” بذات الجودة والالتزام.
أمام هذا الواقع المرير، تجد فعاليات المجتمع المدني والسلطات المحلية نفسها أمام مسؤولية تاريخية لرفع هذا الحيف؛ فالوضع لم يعد يحتمل التهدئة بوعود جوفاء. إن الساكنة اليوم تطالب وبإلحاح، بفتح تحقيق إداري دقيق في طريقة تدبير هذه الأزمة، وإيفاد لجان تقنية محايدة تملك من النزاهة ما يكفي لقياس المعاناة داخل البيوت لا خارجها. إن تمكين مواطني جماعة البخاتي من تغطية عادلة وشاملة هو اختبار حقيقي لمدى صدق الشعارات المرفوعة حول “التحول الرقمي الشامل”، وتذكير للشركات الفاعلة بأن أرباحها المستخلصة من جيوب هؤلاء المواطنين تفرض عليها واجبا أخلاقيا وقانونيا بتجويد الخدمات، بعيدا عن منطق الربح السريع الذي يسقط من حساباته كرامة المواطن القروي وحقه في العيش الكريم في عصر “الأنوار الرقمية”.
مملكتنـــــــــا.م.ش.س/و.م.ع
![]()








