محمود هرواك
في عام 2011، حين صوّت المغاربة على الدستور الجديد، لم يكن يتوقع أي كان أن الفصل 19 الذي يتحدث عن “المناصفة”، بل سيكون إيذانا ببدء زحف ديموغرافي واجتماعي هادئ أعاد صياغة وجه المؤسسات المغربية. واليوم، ونحن في عام 2026، لم يعد السؤال هو “هل تمكنت المرأة؟”، بل “أي نوع من المؤسسات نصنع بهذا التمكين؟”. إننا نعيش نسختنا الخاصة مما أسمته هيلين أندروز “التأنيث الكبير”، لكن بخصوصية مغربية تمزج بين إرث دار المخزن الصارم، وطموحات الحداثة، وضغوط الخطاب النسوي المعولم.
إن المتأمل في بنية المجتمع المغربي الوظيفي يدرك أننا تجاوزنا مرحلة الرمزية. ففي قطاع التعليم، تشكل النساء اليوم عصب المنظومة، وفي كليات الطب والصيدلة، يتفوقن عدديا بشكل كاسح في معدلات الولوج والنجاح (تتجاوز النسبة 60% في بعض الكليات). حتى في قطاع العدل، الذي كان قلعة ذكورية بامتياز، أصبحت المرأة القاضية والمحامية والعدل (بعد الفتوى التاريخية للمجلس العلمي الأعلى) جزءا أصيلا من المشهد.
هذا التحول ليس منة من أحد، بل هو نتاج تفوق بيولوجي واجتماعي في الانضباط التعليمي؛ فالبنت المغربية اليوم أكثر صبرا على التحصيل وأقل ميلا للهدر المدرسي مقارنة بالذكور الذين تجذبهم إغراءات الشارع أو الهجرة المبكرة. لكن، وهنا مكمن الجدل، هل نقلت هذه الأعداد معها القيم المؤسسية التقليدية، أم أنها بصدد تأنيث المؤسسة المغربية لتصبح أكثر “نعومة” وأقل قدرة على المواجهة الصدامية؟
فخ “المظلومية”: عندما يصبح النوع أداة للابتزاز السياسي!
بصفتي رجلا يؤمن بـ “الإنصاف” لا “المساواة الحسابية” الجامدة، أرى أن أكبر خطر يواجه المكتسبات النسائية في المغرب هو استثمار “المظلومية”. لقد نجحت تيارات نسوية معينة في تحويل المرأة من فاعل سياسي وقانوني إلى “ضحية دائمة” تحتاج إلى وصاية قانونية وتفضيلية لا تنتهي.
إننا نرى هذا في صالونات الرباط والدار البيضاء ومراكش السياسية؛ حيث يُطالب بالحقوق بناء على “الجنس” لا على “الكفاءة”. هذا الخطاب يولد نوعا من “اليقظة المغربية” التي تجعل انتقاد أداء مسؤولة ما “عنفا رمزيا”، ومطالبتها بالنتائج “تمييزا جنسيا”. إن “التأنيث” الذي نريده هو الذي يقتحم الميدان بجدية “عائشة الشنا” في الميدان الاجتماعي، أو صرامة القاضيات اللواتي يطبقن القانون بروح العدالة لا بروح “التضامن الجندري”.
الحزب الذي تقوده امرأة: الطريق إلى رئاسة الحكومة!
السؤال الجوهري: كيف يمكن لامرأة أن تقود حزبا لتصل إلى “المشور السعيد” كرئيسة للحكومة؟ إن التجربة المغربية عرفت أسماء وازنة (نبيلة منيب، فاطمة الزهراء المنصوري)، لكن الوصول إلى رئاسة الجهاز التنفيذي يتطلب تجاوز “عقبة الكوتا”. إن الطريق لترؤس الحكومة لا يمر عبر “البكائيات” في البرلمان، بل عبر: تفكيك “الأبوية الحزبية” من الداخل؛ بمعنى الكف عن انتظار هبة من الزعيم الذكر! وذلك ما يتطلب أن يتم العمل عليه عبر بناء قواعد انتخابية حقيقية.. وهنا نحتاج خطابا وطنيا جامعا لا فئويا نسويا؛ فلكي تصل المرأة المغربية للرئاسة، يجب أن يراها المواطن في “تيفلت” و”زاكورة” و”الناظور” و”الرحامنة” ك “امرأة دولة” قادرة على تدبير ملفات شائكة لا كناشطة حقوقية تنحصر اهتماماتها في “التأنيث الحزبي”.. إنه الاستحقاق الموضوعي: فالحزب الذي سيصل برئيسته للحكومة هو الذي سيقدم برنامجا اقتصاديا شرسا، ويدخل في تحالفات ذكية تعتمد على ميزان القوى، لا على “استجداء” العطف الجندري.
ما نحذر منه بخصوص “تأنيث القانون” يجد صداه في إصلاحات مدونة الأسرة الحالية في المغرب.. فنحن نؤيد الحماية القصوى للمرأة والطفل، ولكننا نحذر من “تأنيث العدالة” لدرجة تغييب المنطق التعاقدي لصالح المنطق العاطفي.
إن القانون المغربي مثلا؛ يجب أن يظل “ذكوريا” في صرامته، و”أنثويا” في عدالته؛ بمعنى أن الاستحقاق والمسؤولية المشتركة يجب أن تكون هي المعيار. إن قضايا مثل “النفقة” و”الحضانة” يجب أن تُدبر بعيدا عن “شيطنة الرجل” التي تروج لها بعض الدوائر النسوية الراديكالية، والتي تريد تحويل المؤسسة الزوجية إلى “ساحة حرب” تخرج منها المرأة منتصرة إحصائيا ولكنها “وحيدة اجتماعيا.
إنني ككاتب رجل، أقولها بملء الفم: إنصاف المرأة هو إنصاف للمجتمع، ولكن “تأنيث المؤسسات” قسرا عبر “الكوتا” الدائمة وخلق بيئات عمل هشة تخشى الصراع الفكري المنتج، هو انتحار حضاري.. نحن بحاجة إلى المرأة في مراكز القرار لأنها كفؤة، ولأنها تمتلك رؤية تكميلية، لا لأننا نريد ملء خانات في تقارير دولية! إن المغرب الذي نطمح إليه هو الذي تصعد فيه المرأة لمنصب رئيسة الحكومة لأنها الأجدر، وتدير فيه المقاولة لأنها الأكثر ربحية، وتكتب فيه المقال لأنها الأكثر عمقا… أما استغلال “خطاب الضحية” فهو إهانة لذكاء المرأة المغربية قبل أن يكون إجحافا في حق الرجل.
لقد آن الأوان لنخرج من “البيت الطويل” ومن ضيق الأيديولوجيا، إلى رحابة الوطن الذي يتسع للجميع بناء على قاعدة واحدة: “الاستحقاق ولا شيء غير الاستحقاق”.
سوسيولوجيا “التفوق الهادئ”: الأرقام بوصفها زلزالا صامتا
لا يمكن قراءة المشهد دون العودة إلى لغة الأرقام الصارمة؛ ففي المغرب، تشير إحصائيات وزارة التربية الوطنية (دورة 2024 و2025) إلى أن الإناث يستحوذن على أكثر من 55% من شهادات الباكالوريا، وبمعدلات تفوق غالبا ما تتجاوز عتبة الـ 18/20 في المسالك العلمية والتقنية. هذا “التسونامي الأنثوي” في التعليم العالي أدى إلى تحول ديموغرافي داخل كليات الطب (أكثر من 60%) ومدارس التدبير والتجارة.
سوسيولوجيا ، نحن أمام ظاهرة “الانضباط المؤسساتي”؛ فالمرأة المغربية أظهرت قدرة هائلة على التكيف مع القواعد البيروقراطية، بينما يميل الذكور تاريخيا نحو “المخاطرة” أو “التمرد السلبي”. هذا يعني أننا نقترب من لحظة ستصبح فيها النخبة التكنوقراطية في المغرب مؤنثة بالكامل، ليس بقرار سياسي، بل بقوة الاستحقاق التعليمي. لكن السؤال الذي يطرحه التحليل السوسيولوجي: هل ستظل هذه النخبة وفية لصرامة الإدارة، أم ستطوع الإدارة لتناسب سيكولوجية الوفاق؟
البعد الأنثربولوجي: من “حرمة الدار” إلى “سلطة القرار”
أنثربولوجيا، انتقل المجتمع المغربي من بنية “الخيمة” و”الدار الكبيرة” حيث كانت سلطة المرأة غير مرئية (التدبير الداخلي)، إلى الفضاء العام. ومع ذلك، لا تزال بعض التيارات النسوية تحاول استدعاء نموذج “الضحية” التاريخي لتبرير مكاسب راهنة.
هنا تكمن المفارقة: ففي الوقت الذي تقتحم فيه المرأة المغربية فضاءات “المخزن” التقليدية (كالولاة والعمال والقياد)، نجد خطابا حقوقيا “مستوردا” يحاول تصويرها ككائن هش يحتاج إلى تمييز إيجابي أبدي. الجرأة تقتضي القول إن الإفراط في “حمائية” المرأة قانونيا قد يؤدي إلى نتائج عكسية؛ حيث يُنظر إليها ك “موظفة محمية بالقانون” لا ككفاءة تخضع للمحاسبة مما قد يضعف تنافسية المؤسسات المغربية في سوق عالمي لا يعترف إلا بالنتائج.
تأنيث الصحافة: هل فقدت “صاحبة الجلالة” أنيابها؟
يشهد قطاع الصحافة والإعلام في المغرب تحولا جذريا؛ إذ أصبحت كليات الإعلام تخرج أفواجا تشكل النساء فيها الغالبية العظمى. مهنيا، أضفى هذا “اللمسة الأنثوية” على المحتوى: تركيز أكبر على القضايا الاجتماعية، الإنسانية، والحقوقية.
لكن، وبالنظر من زاوية النقد المهني الجريء؛ هل أدى هذا التأنيث إلى تراجع صحافة الاستقصاء الصدامية؟ يميل التحليل السيكولوجي إلى أن النساء، في المجمل، أكثر نزوحا لتجنب الصراع المباشر وأكثر حرصا على “الإجماع”. في بيئة إعلامية تحتاج إلى المشاكسة وكشف المسكوت عنه، قد يؤدي غلبة النمط الأنثوي في غرف الأخبار إلى تحويل الصحافة من سلطة رابعة تراقب وتقيد، إلى منصة تواصل تسعى للترميم والتلطيف، وهو ما يخدم الأجندات السياسية التي تهوى “الهدوء” لا الحقيقة العارية.
التحليل النفسي لـ “سيكولوجية المظلومية”
يجب أن نميز بوضوح بين النضال من أجل الحقوق وبين “أدلجة المظلومية”. نفسيا، يمنح خطاب المظلومية نوعا من “السلطة الأخلاقية” التي تُعفي صاحبتها من مسؤولية الفشل. عندما يتحول الخطاب النسوي في المغرب إلى أداة لترهيب المخالفين فكريا عبر وصمهم بـ “الذكورية السامة” أو “الرجعية”، فإننا نقتل “روح النقد”.
إن المرأة المغربية الحقيقية، التي تدير المزارع في دكالة، أو تلك التي تقود مختبرات البحث العلمي، لا تملك وقتا لتمثيل دور الضحية. المظلومية هي “بضاعة” النخبة التي تريد القفز فوق سلم الاستحقاق. إنصاف المرأة يعني معاملتها كند كامل الأهلية، وهذا يتضمن حقنا في انتقادها، ومنافستها، ومطالبتها بالنتائج دون أن نُتهم بالتحرش الفكري أو العنف الجندري.
استشراف المستقبل: نحو “المناصفة النوعية” لا “الكمية”
بالنظر إلى أفق 2030 و2040، يبدو أن المغرب يسير نحو “تأنيث شامل” للمهن القانونية والطبية والإدارية. الاستشراف المستقبلي يشير إلى احتمالين:
1 السيناريو الأول (البيروقراطية الناعمة): مؤسسات مغربية مستقرة، محكومة بقيم “الوفاق والتعاطف”، ولكنها قد تفتقر إلى “روح المغامرة” والقدرة على اتخاذ قرارات “جراحية” مؤلمة في الأزمات الكبرى.
2 السيناريو الثاني (المواطنة التعاقدية): وهو ما نرجوه؛ حيث يسقط الجندر أمام “الكفاءة”. في هذا السيناريو، نرى رئيسة حكومة مغربية تصل للسلطة ليس لأنها امرأة (لإرضاء الغرب أو المنظمات الدولية)، بل لأنها تملك الرؤية السياسية الأكثر واقعية لحل المشاكل.
إن معركتنا الحقيقية في المغرب ليست “ضد المرأة” أو “معها”، بل هي معركة من أجل مؤسسات صلبة لا تنهار أمام العواطف. نحن مع تمكين المرأة لدرجة تصبح فيها كلمة “تمكين” نفسها كلمة متجاوزة، لأن وجودها في القمة صار طبيعيا كوجود الأوكسجين. لكننا، في ذات الوقت، ضد أي خطاب يحاول بناء “ديكتاتورية الجندر” تحت قناع المساواة. المغرب يحتاج إلى “عقلانية” الرجال و”حكمة” النساء، في مزيج وطني يتجاوز الحروب الكلامية إلى البناء المؤسساتي المتين.
مملكتنـــــــــا.م.ش.س
![]()








