بقلم محمد الدرغالي
في نهاية المطاف، يبدو أن استسلام #إيران لم يكن حدثاً مفاجئاً بقدر ما كان نتيجة منطقية لمسار طويل من الإنكار السياسي وبيع الأوهام. فالدول لا تُدار بالشعارات الثورية ولا بخطابات التحدي التي تُلقى على المنابر، بل بحسابات القوة والاقتصاد وقدرة المجتمع على تحمّل الكلفة. وعندما تتجاوز الشعارات حدود الواقع، يصبح الاصطدام به مسألة وقت فقط.
ما حدث يمكن قراءته ببساطة: خيارٌ متأخر لكنه عقلاني نسبياً، لأنه جنّب الشعب الإيراني مزيداً من المعاناة وحافظ على ما تبقى من مقدرات بلد أنهكته سنوات من المغامرات السياسية والصراعات بالوكالة. فالشعوب، في النهاية، هي التي تدفع الفاتورة؛ بينما صُنّاع الخطابات غالباً ما يكتفون بتبديل العبارات والانتقال إلى رواية جديدة.
لسنوات طويلة، جرى تقديم إيران كقوة لا تُقهر، وكدولة تمتلك مفاتيح الإقليم وتدير خرائط النفوذ في الشرق الأوسط. لكن الواقع كشف مرة أخرى أن الفرق شاسع بين النفوذ الإعلامي والقدرة الفعلية على تحمّل المواجهة المفتوحة. فالدول التي تبني استراتيجيتها على استعراض القوة دون حساب دقيق لموازين القوى، غالباً ما تجد نفسها مضطرة في النهاية إلى اتخاذ القرار الذي كانت تهاجمه بالأمس.
المفارقة أن الخطاب الذي كان يَعِدُ بالانتصار التاريخي تحوّل فجأة إلى خطاب يبرّر “الواقعية السياسية”. فجأة لم يعد التراجع خيانة للمبادئ، بل أصبح “حكمة”، ولم يعد التهدئة ضعفاً، بل “حفاظاً على المصلحة الوطنية”. وكأن المشكلة لم تكن في السياسات التي قادت إلى هذه اللحظة، بل في طريقة تسويقها للجمهور.
ومع ذلك، فإن القراءة الهادئة تقول إن هذا التحول ــ مهما كان متأخراً ــ قد يكون في صالح الشعب الإيراني. فالتراجع عن سياسة حافة الهاوية أفضل بكثير من الاستمرار في طريق لا يقود إلا إلى مزيد من الاستنزاف الاقتصادي والسياسي. فالشعوب لا تعيش على الشعارات، بل على الاستقرار والتنمية وفرص الحياة الكريمة.
ربما يكون الدرس الأهم هنا بسيطاً: القوة الحقيقية ليست في رفع سقف الخطاب، بل في معرفة اللحظة التي يجب فيها النزول منه. والدول التي تتأخر في فهم هذه القاعدة غالباً ما تكتشفها بالطريقة الصعبة.
أما الشعب الإيراني، فربما يكون الرابح الوحيد من هذا التحول، لأنه أخيراً نجا من فاتورة مواجهة كان سيدفع ثمنها وحده… بينما كان آخرون يكتفون بإلقاء الخطب عن “الانتصارات القادمة”.
مملكتنـــــــــــــا.م.ش.س
![]()








