آخر الأخبار

  • تنغير .. السيد التهراوي يطلق خدمات 19 منشأة صحية موزعة على أربع جهات

  • ارتفاع الصادرات التركية نحو المغرب يضع اتفاقية التبادل الحر تحت المجهر

  • ماكرون يحمل “حزب الله” مسؤولية استهداف جنود فرنسيين بجنوب لبنان

  • وزارة الداخلية تُحرك عجلة “الانتخابات الجزئية”: استحقاق يهم 52 إقليماً وحضور قوي لمبدأ “المناصفة”

  • إيلون ماسك يمثل أمام القضاء الفرنسي

  • توقعات أحوال الطقس اليوم الأحد

من دعم المنعش إلى تمكين المواطن .. لماذا تمثل المنصوري تحولا سياسيا عميقا

أحمد لحبابي

ليس من السهل اختزال ما تقوم به فاطمة الزهراء المنصوري داخل وزارة التعمير والإسكان وسياسة المدينة في مجرد برامج تقنية أو أرقام إنجاز، لأن ما يجري في العمق يتجاوز ذلك بكثير، إنه تحول هادئ في طريقة اشتغال الدولة نفسها، وفي علاقتها بالمجال وبالمواطن. لنفهم ذلك، يكفي أن نستحضر أن السياسة العمرانية في المغرب لم تكن يوما مسألة تقنية محضة، بل كانت دائما تعبيرا عن شكل الدولة، فبعد الاستقلال لعبت الدولة دور “الباني المركزي”، أنتجت السكن ووسعت المدن وضبطت المجال بمنطق إداري صارم، في إطار مشروع وطني يروم التوحيد والتحديث .

وقد نجحت نسبيا في ذلك حيث انتقل المغرب من مجتمع يغلب عليه الطابع القروي إلى مجتمع حضري تتجاوز فيه نسبة التمدين 63 في المائة.

لكن هذا النموذج لم يكن قابلا للاستمرار، فمع الثمانينيات وتحت ضغط التحولات الاقتصادية تراجعت قدرة الدولة على الاستثمار المباشر، فتم فتح الباب أمام المنعشين العقاريين، ودخلنا مرحلة جديدة: الدولة تؤطر والسوق ينتج، صحيح أن هذا النموذج مكّن من إنتاج ما يفوق 1.2 مليون وحدة سكنية خلال العقدين الأخيرين، لكنه لم ينجح في حل معضلة السكن بشكل جذري، ولا في تقليص الفوارق المجالية التي ما تزال إلى اليوم إحدى أعقد إشكالات التنمية في المغرب، حيث يستمر العجز السكني في حدود مئات الآلاف من الوحدات، وتظل أشكال السكن غير اللائق حاضرة رغم تقليص دور الصفيح بأكثر من 85 في المائة منذ 2004، كما تتكرس اختلالات التوزيع الترابي للفرص مع تمركز الاستثمارات في مجالات محدودة مقابل هوامش أقل جاذبية.

هنا بالضبط تبدأ دلالة التحول الذي تقوده المنصوري، لأنه لا يتعلق باستمرار نفس النموذج بل بتجاوزه نحو صيغة ثالثة، لا الدولة التي تنتج كل شيء ولا السوق الذي يُترك لنفسه، بل دولة تعيد تنظيم العلاقة بينهما وتعيد توجيه السياسات نحو المواطن، وأبرز تعبير عن ذلك هو الانتقال من دعم المنعش إلى دعم المواطن، أي من دعم العرض إلى دعم الطلب، من خلال آلية دعم مباشر يتراوح بين 70 ألف و100 ألف درهم، وهو ما يشكل تحولا عميقا في فلسفة السياسة العمومية، لأن المواطن لم يعد مجرد متلقٍ لسكن جاهز، بل أصبح فاعلا في تحديد اختياره، وهو انتقال من منطق الرعاية إلى منطق التمكين، ومن الوصاية إلى الاستحقاق.

لكن هذا التحول لا يقف عند حدود الدعم، بل يمتد إلى إعادة التفكير في المدينة نفسها، فبرامج محاربة السكن غير اللائق لم تعد مجرد عمليات لإعادة الإيواء، بل أصبحت تدخلات مجالية مندمجة تربط السكن بالبنيات التحتية والخدمات والاندماج الاقتصادي، أي انتقال من سياسة إسكان إلى سياسة إدماج مجالي، كما أن التأهيل الحضري لم يعد مجرد تجميل للفضاء بل أداة لإعادة توزيع الجاذبية المجالية، خاصة في سياق تعرف فيه بعض الفجوات في الولوج إلى الخدمات الأساسية فروقا تصل إلى 20 و30 في المائة بين المجالات، وهو ما يمنح لسياسة المدينة بعدا سياسيا يتجاوز بعدها التقني.

ما الذي يعنيه كل هذا سياسيا؟ يعني أن الدولة تعيد تعريف نفسها، لم تعد فقط ضابطة أو موزعة، بل مطالبة بأن تكون منتجة للأثر، وهو جوهر التحول الذي يعيشه المغرب اليوم، الانتقال من شرعية السلطة إلى شرعية النجاعة، ومن زاوية أعمق يمكن قراءة ذلك كإعادة تشكيل للعقد الاجتماعي الضمني، حيث تنتقل العلاقة بين الدولة والمواطن من منطق الوساطة والانتظار إلى منطق الولوج المباشر والتمكين المرتبط بالنتائج.

في هذا السياق لا تبدو المنصوري مجرد وزيرة تدبر قطاعا، بل فاعلا سياسيا يشتغل داخل هذا التحول ويجسد ملامحه، فهي لا تعود إلى نموذج الدولة المتدخلة بشكل كلاسيكي، ولا تستسلم لمنطق السوق، بل تشتغل على تركيب معادلة تجمع بين التأطير العمومي والفعالية الاقتصادية والبعد الاجتماعي، وهي معادلة معقدة لكنها ضرورية في سياق مغربي يبحث عن توازن جديد بين النجاعة والعدالة. وهنا يطرح سؤال القيادة، لأن السياسة العمومية حين تنتج أثرا ملموسا في حياة المواطنين تتحول إلى رأسمال سياسي، وحين يرتبط هذا الأثر بفاعل سياسي يمتلك وضوح الرؤية والقدرة على التنزيل، فإن الأمر لم يعد يتعلق بوزارة بل بإمكانية قيادة، لذلك فإن الحديث عن المنصوري كمرشحة لقيادة الحكومة المقبلة لا ينبغي فهمه فقط في إطار التوازنات الحزبية، بل كامتداد لتحول أعمق تعيشه الدولة المغربية نفسها، حيث أصبحت الحاجة ملحة إلى نموذج قيادي قادر على التوفيق بين الدولة والسوق والمجتمع، بين الإصلاح والاستقرار، بين النجاعة والعدالة، وهي لم تعد مجرد معادلة نظرية بل شرطا واقعيا لاستمرار التوازن.

في النهاية، ما تقدمه المنصوري لا يكمن فقط في البرامج أو الأرقام، بل في إعادة صياغة العلاقة بين السياسة والمجال، بين الدولة والمواطن، وهي إعادة صياغة تحمل في طياتها ملامح مرحلة جديدة قد لا تعيد فقط ترتيب أولويات الفعل العمومي، بل قد تعيد أيضا تعريف معنى القيادة السياسية في المغرب.

مملكتنـــــــــــــا.م.ش.س

Loading

اقرأ أيضا
  • تنغير .. السيد التهراوي يطلق خدمات 19 منشأة صحية موزعة على أربع جهات

    مملكتنا/
    أبريل 19, 2026
  • ارتفاع الصادرات التركية نحو المغرب يضع اتفاقية التبادل الحر تحت المجهر

    مملكتنا/
    أبريل 19, 2026
  • ماكرون يحمل “حزب الله” مسؤولية استهداف جنود فرنسيين بجنوب لبنان

    مملكتنا/
    أبريل 19, 2026
أخبار آخر الساعة
  • تنغير .. السيد التهراوي يطلق خدمات 19 منشأة صحية موزعة على أربع جهات

  • ارتفاع الصادرات التركية نحو المغرب يضع اتفاقية التبادل الحر تحت المجهر

  • ماكرون يحمل “حزب الله” مسؤولية استهداف جنود فرنسيين بجنوب لبنان

  • وزارة الداخلية تُحرك عجلة “الانتخابات الجزئية”: استحقاق يهم 52 إقليماً وحضور قوي لمبدأ “المناصفة”

من دعم المنعش إلى تمكين المواطن .. لماذا تمثل المنصوري تحولا سياسيا عميقا