محمد الدرغالي
في تقاطعٍ لافت بين التعبير الفني والالتزام المجتمعي، تقدم الشاعرة والزجالة فاطمة المسعودي نموذجًا يعيد طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: هل يمكن للفن أن يكون أداة تغيير حقيقي، أم يظل مجرد انعكاس جمالي للواقع؟
من خلال هذا الحوار، يتضح أن المسعودي لا ترى في الزجل ممارسة منفصلة عن محيطها، بل تعتبره امتدادًا عضويًا لدورها داخل النسيج الاجتماعي. فهي تنطلق من تصور يعتبر الشاعر — والزجال على وجه الخصوص — “لسان المجتمع” وضميره الحي، حيث تتحول القصيدة إلى مرآة تعكس القضايا اليومية بمختلف أبعادها السياسية والثقافية والاجتماعية. هذا الطرح ينسجم مع مدرسة تعتبر الأدب وظيفة اجتماعية، لا مجرد ترف رمزي.
الزجل والعمل الجمعوي: وحدة المسار لا ازدواجيته
ما يميز تجربة المسعودي هو رفضها لفكرة الفصل بين العمل الإبداعي والعمل الجمعوي. فهي تؤكد أن انخراطها في الفعل المدني، خاصة في المجال الثقافي، ليس إلا امتدادًا طبيعيًا لخطابها الزجلي. العمل الجمعوي، في تصورها، يهدف إلى تحقيق المصلحة العامة ومعالجة اختلالات اجتماعية، خصوصًا لدى فئة الشباب، وهو نفس الأفق الذي تسعى إليه عبر الكتابة.
هذا التماهي بين المجالين يعكس وعيًا بوظيفة الثقافة كرافعة للتنمية المجتمعية، ويضع تجربتها ضمن ما يمكن تسميته بـ“المثقف الفاعل”، لا “المثقف المتفرج”.
بين المثالية والواقع: موقعها داخل مشهد جمعوي ملتبس
لا تنكر المسعودي وجود اختلالات داخل الحقل الجمعوي، خاصة ما يتعلق بتوظيفه لخدمة مصالح ضيقة، لكنها ترفض تعميم هذا الحكم. تعتبر أن الأصل في العمل الجمعوي هو التطوع وخدمة الصالح العام، وأن التجارب المنحرفة تبقى استثناءً.
الأهم في طرحها هو تأكيدها على استقلالية تجربتها، إذ تشير إلى أن نشاطها الجمعوي يتم بإمكانيات ذاتية، دون دعم خارجي، ما يعزز مصداقية خطابها ويبعده عن شبهة التوظيف أو الارتباط بالأجندات.
الزجل كأداة تأثير: من العاطفة إلى الوعي
تتجاوز المسعودي النظرة التقليدية للزجل كفن شعبي بسيط، لتقدمه كآلية عميقة للتأثير في الوعي الجماعي. بحكم اعتماده على اللغة العامية، يتمتع الزجل بقدرة عالية على الوصول إلى مختلف الفئات الاجتماعية، ما يجعله وسيلة فعالة لنقل القيم والتقاليد، وتحفيز التفكير النقدي.
هذا الطرح يضع الزجل في موقع قريب من “الأرشيف الثقافي الحي”، الذي لا يكتفي بتوثيق الواقع، بل يساهم في تشكيله وإعادة إنتاجه.
غياب الضغط: دلالة أم استثناء؟
في سياق يتسم أحيانًا بحساسية تجاه التعبير، تؤكد المسعودي أنها لم تتعرض لأي شكل من أشكال الرقابة أو الضغط، سواء في كتاباتها أو في عملها المدني. هذا التصريح يمكن قراءته من زاويتين: إما كدليل على هامش حرية يسمح بمثل هذا التعبير، أو كاختيار واعٍ لخطاب لا يصطدم بشكل مباشر مع مراكز التوتر.
بين إرضاء الجمهور وصدمة الموقف: معادلة دقيقة
في واحدة من أكثر النقاط حساسية، تطرح المسعودي تصورًا براغماتيًا للعلاقة مع الجمهور. فهي لا تتبنى خطابًا صداميًا بالضرورة، ولا تسعى في المقابل إلى إرضاء سطحي. بل تعتبر أن التوازن يكمن في التعبير عن قناعات تنسجم، في العمق، مع وجدان المجتمع.
هذا الموقف قد يُنتقد باعتباره ميلاً نحو التوافق على حساب الجرأة، لكنه في المقابل يعكس فهمًا لطبيعة التلقي، خاصة في فن شعبي كـالزجل، حيث القبول الجماهيري عنصر حاسم في استمرارية التأثير.
تقدم فاطمة المسعودي نموذجًا لفاعلة ثقافية تحاول توظيف الزجل كأداة وعي ومواكبة اجتماعية، دون السقوط في خطاب نخبوي أو انعزالي. غير أن تجربتها تظل محكومة بمعادلة دقيقة بين الالتزام والتوافق، بين الجرأة والقبول.
السؤال الذي يبقى مفتوحًا — وهو ما يستحق اختبارًا حقيقيًا —:
هل يمكن لهذا النوع من الخطاب المتوازن أن يُحدث تحولًا عميقًا، أم أنه يظل داخل منطقة “الأمان الثقافي” التي تعيد إنتاج الواقع بدل تغييره؟
هذا هو التحدي الحقيقي لأي تجربة تجمع بين الفن والعمل المدني.
![]()








