محمود هرواك
ثمة حصن أخير تلوذ به الكرامة الإنسانية حينما تتكالب عليها سهام التجريح ومحاولات الاغتيال المعنوي تحت عباءة حرية التعبير، وهو مبدأ فقهي راسخ يتجلى بأبهى صوره في النزاع القانوني الذي خاضه الدكتور طارق حنيش، النائب البرلماني ونائب عمدة مدينة مراكش المفوض له تدبير قطاع التعمير. ففي مسار يجمع بين ثقل الأمانة السياسية وسمو الرسالة الطبية، وجد المشتكي نفسه، وبشكل مباغت، في مواجهة زوبعة من الافتراءات الممنهجة، انطلقت شرارتها الأولى بتاريخ 17 أكتوبر 2025، حينما أقدم السيد محمد السريدي على نشر مقال صحفي عبر الجريدة الإلكترونية “مراكش اليوم” تحت عنوان مثير وموجه بطريقة خبيثة: “قسم التعمير بجماعة مراكش في قلب العاصفة”.
إلى هنا؛ واهم من ظن أن هذا المقال يجسد مقاربة نقدية مسؤولة لتدبير الشأن العام المحلي! ذلك أنه في الحقيقة لا يعدو أن يكون سوى انحراف عن نبل السلطة الرابعة وتجلٍّ صارخ للتشهير الشخصي والمهني في أقبح تجلياته، علاوة على أنه طعن بخناجر الاتهام المسمومة نحو ذمة مسؤول عمومي دون وازع من حجة أو دليل.
لقد غاصت آلة التشهير في مستنقع الادعاءات الزائفة، حيث لم يتورع الزميل كاتب المقال عن نسج روايات تعوزها الصحة والمشروعية، مستهدفا الإطاحة بالوضع الاعتباري للدكتور طارق حنيش، إذ زعم بجرأة وقحة تفتقر إلى السند، منح المشتكي ترخيصا لبناء عمارة من ثلاث طوابق في منطقة مخصصة للفيلات، متجاهلا عن عمد أو جهل أن هذه الاختصاصات تعود قانونا لمجالس المقاطعات وليس للمجلس الجماعي، وأن دور العارض انحصر في المصادقة على تسوية قائمة منذ العام 2010. ولم تقف عجلة البهتان عند هذا الحد، بل تمادت لتشمل اتهامات باطلة برصد أكثر من ثلاثين مشروعا غير قانوني حظيت بالترخيص لصالح شخصيات نافذة، وصولا إلى الطعن المباشر في الكفاءة الطبية للمشتكي وتاريخه المهني النظيف، وهو ما شكل انسلاخا تاما عن ضوابط العمل الصحفي، ودخولا صريحا في دائرة التجريم التي طوقتها المقتضيات الزجرية للفصول 442 و 2-447 من القانون الجنائي والمواد 84 و 85 من قانون الصحافة والنشر.
أمام هذا الانتهاك الصارخ للحياة الخاصة والشرف، لم يركن الدكتور حنيش إلى ردود الأفعال العابرة، بل سلك طريق الحكمة والتبصر المؤسساتي، محتكما إلى ميزان القضاء ومسطرا ملحمة قانونية متكاملة الأركان. فقد بادر، في خطوة توثيقية رصينة، إلى تكليف مفوض قضائي بإجراء معاينة مباشرة للمقال المذكور لحفظ المعالم الرقمية للجريمة، قبل أن يتقدم بشكاية مباشرة بتاريخ 24 أكتوبر 2025. وما زاد من خطورة الأفعال المقترفة، أن المشتكى به كان يئن تحت نوايا غير بريئة لتكشف المحكمة في تعليلها المفصل للحكم عن نزوع إجرامي متأصل وتحدّ صارخ للمنظومة القضائية، وكأن لسان حاله يدعي العلو فوق القانون والتمرد على أحكامه.
وفي محراب المحكمة الابتدائية بمراكش، تجلت العبقرية القضائية في تفكيك طلاسم هذه النازلة، حيث انبرى القاضي الجالس بتمحيص دقيق ونافذ، لوزن العبارات الواردة في المقال بميزان القانون، ليخلص إلى أن تلك الكلمات تنزل إلى مسلخ القذف الصريح وادعاء وقائع كاذبة تمس بشرف واعتبار المشتكي. وقد رسخ القضاء قناعته بأن المشتكى به، الذي تخلف عن الحضور رغم الاستدعاء، قد ارتكب أفعاله بسوء نية ثابتة لا تشوبها شائبة، متعمدا نشر الأكاذيب وإشاعتها بقصد التشهير والإضرار بمسؤول سياسي وطبيب مشهود له، دون أن يدلي ولو بشبهة قرينة أو دليل يبرر تلك الهجمة الشرسة أو يدرجها في خانة النقد المباح. إن انعدام المبرر القانوني النافي للتجريم جعل من ثبوت الركن المادي والمعنوي لجنحة التشهير عبر الأنظمة المعلوماتية أمرا يقينيا لا يأتيه الشك من بين يديه ولا من خلفه.
لتأتي لحظة النطق بالحق حيث أسدلت المحكمة ستارها على هذا النزاع بحكم شكل نبراسا يهتدى به في حماية المناضلين الشرفاء وإعلاء سيادة القانون، إذ أدانت المحكمة المشتكى به وقضت عليه بثمانية أشهر حبسا نافذا وغرامة نافذة قدرها 2000 درهم. ولم يغفل القضاء عن البعد المدني لهذه الجريمة، مجسدا إيمانه الراسخ بحق المتضرر في جبر ضرره المعنوي والمادي، حيث أمر بإلزام المدان بأداء تعويض مدني قدره 50.000 درهم لفائدة الدكتور طارق حنيش. إن هذا الحكم إلى جانب كونه انتصارا شخصيا لرمز من رموز التدبير المحلي فهو أيضا سيادة مهيبة لمنطق الدولة وسلطة القانون، ورسالة قاطعة بأن أقلام التشهير ستنكسر حتما أمام مطرقة العدالة التي لا تحابي، ليعود الحق إلى نصابه، وتبقى الكرامة الإنسانية مصونة في كنف قضاء حصيف لا يظلم عنده أحد.
![]()








