الرباط – تتحول أحياء المدن المغربية في عيد الأضحى المبارك إلى فضاءات للاحتفال وصلة الرحم وتقاسم الفرح بين الأسر والجيران، حيث تحضر قيم التضامن والتكافل باعتبارها جزءا أصيلا من الثقافة الاجتماعية للمغاربة.
غير أن هذه الأجواء لا تخلو أحيانا من بعض السلوكيات السلبية التي تشوّه صورة العيد وتفسد طابعه الإنساني والروحي، من قبيل رمي مخلفات الأضاحي والأزبال أمام المنازل أو في الأزقة، وترك الروائح الكريهة تنتشر بين السكان، في مشاهد باتت تثير استياء الكثير من المواطنين.
وتزداد حدة هذه التصرفات في بعض الأحياء الشعبية والمجمعات السكنية، حيث تتحول الأرصفة والمساحات المشتركة إلى مطارح عشوائية لمخلفات العيد، في غياب الإحساس بالمسؤولية الجماعية واحترام حق الجار في بيئة نظيفة وسليمة.
وترافق هذا الوضع أحيانا سلوكيات أخرى مشينة، مثل الاستهتار بالنظافة العامة، أو تعمد إلقاء الفضلات قرب أبواب الجيران، وهي ممارسات غريبة عن القيم المغربية التي طالما ارتبطت بحسن الجوار والتعاون والتكافل، فضلا عن التركيز على تعزيز الوعي المجتمعي والتربية على احترام الفضاءات المشتركة.
في قراءته لهذه السلوكيات يرى السوسيولوجي أحمد شراك أن مثل هذه التصرفات “تخرج عن المنظور المدني للسلوك الاجتماعي”، موضحا أن “الاحتفال بالعيد ينبغي أن يتم دون إلحاق الضرر بالآخرين أو بالمحيط المشترك”.
وأضاف شراك في تصريح لهسبريس أن “من أبرز ما يميز هذه المظاهر السلبية إخراج مخلفات الذبيحة إلى الأزقة والأماكن العمومية ورميها بشكل علني”، مبرزا أن “هذا السلوك يثير الاشمئزاز ويساهم في تلويث البيئة بشكل كبير”.
وأوضح السوسيولوجي نفسه أن “الاحتفال من منظور سوسيولوجي سلوك اجتماعي وجماعي، ما يفرض على الفرد المحتفل أن يراعي الجماعة ومحيطه الاجتماعي”، معتبراً أن “هذه الظواهر ليست مرتبطة بعيد الأضحى فقط، بل تندرج ضمن سلوكيات احتفالية كونية تظهر في عدد من المناسبات الجماعية حول العالم، مثل رأس السنة، وأحيانا تكون نتيجة الانفلات المرتبط بأشكال مختلفة من الاحتفال الفلكلوري”.
وأشار المتحدث ذاته إلى أن “خصوصية عيد الأضحى تكمن في أن بعض ‘سقطاته’ لا تبقى داخل المنازل، بل تنتقل إلى الفضاء العام”، حيث تصبح ظاهرة للعيان وتخضع لما وصفه بـ”الاحتفال المنفلت” الذي ينساق إليه البعض بشكل جماعي.
وشدد شراك على أن “السلطات المحلية تجد صعوبة في ضبط هذه الانزياحات السلوكية، خاصة مع اتساعها في عدد من الأحياء”، مستدركا بأن “الجانب الإيجابي يتمثل في كون هذه المظاهر تبقى ظرفية ولا تدوم سوى لفترة قصيرة مرتبطة بأيام العيد”.
من جهته يرى الباحث في المقاصد وقضايا الأسرة الحسين الموس أن “السلوكيات التي باتت تظهر خلال عيد الأضحى لا تعكس بالضرورة تحولاً في منظومة القيم داخل المجتمع المغربي، بقدر ما تطرح تحديا مجتمعيا وبيئيا حقيقيا يهم المغرب كما يهم عددا من البلدان الإسلامية”.
وأوضح الموس، في حديث مع هسبريس، أن “طبيعة العيش تغيرت بشكل كبير مقارنة بالماضي، إذ كان السكان يعيشون في البوادي والفضاءات الواسعة، وكانت مخلفات الأضاحي تُستغل بشكل طبيعي، سواء عبر إعادة تدويرها أو استعمالها كأسمدة عضوية، فيما كانت البيئة قادرة على استيعاب تلك المخلفات بشكل تلقائي”.
وأضاف المتحدث ذاته أن “التوسع العمراني وارتفاع الكثافة السكانية، خاصة داخل العمارات والأحياء ذات السكن الاقتصادي، أفرزا تحديات جديدة تفرض ضرورة ترسيخ الحس البيئي لدى الأجيال الصاعدة منذ سن مبكرة”، معتبرا أن “الأمر لم يعد مرتبطا فقط بممارسة شعيرة دينية، بل بكيفية تدبير آثارها داخل فضاءات حضرية مكتظة بالسكان”.
ونبه الباحث في المقاصد وقضايا الأسرة إلى أن “الإسلام يدعو إلى الارتقاء بالوعي الفردي والجماعي، واستحضار مقصد الاستخلاف في الأرض، بما يشمله من حفظ للبيئة وصيانة لمواردها لفائدة الأجيال المقبلة”.
ومن هذا المنطلق شدد الموس على أن “الأمر لا يقتصر على عيد الأضحى فقط، بل يمتد أيضا إلى السلوكيات المرتبطة بفصل الصيف والاصطياف في الشواطئ والمنتزهات والغابات، وهو ما يقتضي مزيدا من اليقظة والتحسيس والعمل على غرس الثقافة البيئية داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع”.
وأشار المصرح نفسه إلى أن “الإنسان المسلم مطالب بإدراك أن النفايات يجب أن توضع في الأماكن المخصصة لها وفي الأوقات المناسبة، مع تجنب كل ما من شأنه إلحاق الأذى بالغير، خصوصاً الجيران”، مستحضرا الحديث النبوي الشريف الذي يحث على تجنب رمي الأذى في طرق الناس ومحيطهم.
كما أورد الباحث عينه أن “ترسيخ الوعي البيئي والسلوكي من شأنه أن يساعد على الاحتفال بالعيد وسائر المناسبات في أجواء تحترم البيئة وتُقدّر جهود عمال النظافة وتحافظ على روابط الجوار والعلاقات الاجتماعية”، مبرزا أن “الحقل الديني مطالب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بإيلاء البعد البيئي ما يستحقه من اهتمام، سواء عبر خطب الجمعة أو الدروس الوعظية والإرشادية، حتى يصبح هذا الوعي جزءا أصيلا من الخطاب التربوي والتوجيهي داخل المجتمع”.
![]()








