واشنطن – في غمرة الإثارة التي تميز منافسات مونديال 2026، طفت على السطح أزمة جديدة ،أضحت تقض مضجع الأطقم التقنية في دكة البدلاء. والسبب في ذلك يعود إلى بروتوكول جديد اعتمده الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) يخص أماكن وقوف المصورين أثناء عزف الأناشيد الوطنية، وهو ما دفع المدربين توماس توخيل ويوليان ناغلسمان إلى التنديد بهذا التقارب الذي وصفاه بـ “المزعج والمتطفل”.
لقد أضحت كرة القدم الحديثة عرضا محسوبا بدقة متناهية ،تولد فيه كل ثانية بث تلفزيوني شحنة من المشاعر البصرية. غير أن هذا السعي المهووس وراء اللقطة المقربة المثالية بدأ يثير غضب الفاعلين الأساسيين في اللعبة، حيث بدأت تتشكل في هذه النسخة المونديالية جبهة رفض غير متوقعة ضمت ألمع مدربي كرة القدم في العالم، تنديدا ببروتوكول إعلامي بات خارجا عن السيطرة.
وكان مدرب المنتخب الإنجليزي، توماس توخيل، أول من أطلق شرارة الاحتجاج عقب أولى مباريات “الأسود الثلاثة” في المجموعة الـ 12. وبدلا من التركيز المعتاد على خططه التكتيكية، استغل المدرب الألماني مؤتمره الصحفي لتسليط الضوء على وضعية اعتبرها لا تطاق وتمس بحرمة الأجواء الخاصة بالفريق.
وبات القانون الجديد لـ “فيفا” يفرض على المصورين المعتمدين الوقوف مباشرة وجها لوجه أمام دكة البدلاء أثناء عزف الأناشيد الوطنية، وهو ما يضع جدارا بشريا حقيقيا بين الطاقم التقني واللاعبين المصطفين على أرضية الملعب.
وفي هذا الصدد، قال توماس توخيل “طلبت من الفيفا تغيير مكان المصورين أثناء عزف الأناشيد الوطنية، لأني لم أستطع رؤية فريقي، رغم رغبتي العميقة في ذلك. لقد كان ذلك يمثل لي لحظة خاصة جدا، لكن وجدت نفسي فجأة وجها لوجه أمام جدار مكون من خمسين مصورا يقفون أمامي مباشرة. لقد أفسد ذلك علي تلك اللحظة العاطفية”.
حالة التذمر هذه لم تراود توخيل وحده، حيث سارع مدرب المنتخب الألماني، يوليان ناغلسمان، إلى دعم موقف مواطنه والانخراط في هذه الحملة، مباشرة بعد فوز “المانشافت” الصعب على كوت ديفوار بهدفين لهدف.
وبأسلوبه اللاذع المعهود، انتقد ناغلسمان هذا القرب المبالغ فيه لعدسات التصوير، ولخص حالة التذمر العام باللجوء إلى استعارة طريفة سرعان ما انتشرت كالنار في الهشيم على منصات التواصل الاجتماعي.
وقال ناغلسمان “أنا لا أعرف ما إذا كان يحق لنا التذمر رسميا، لكنني أتفق تماما مع توماس توخيل. النشيد الوطني هو لحظة قوية جدا ومشحونة بالعواطف. هي آخر فرصة للتواصل البصري مع اللاعبين قبل بدء المباراة. هناك مصورون في الدوري الألماني أو دوري أبطال أوروبا كذلك، لكنهم قريبون جدا هنا. لدي انطباع بأن هذه العدسات الضخمة توشك على تصوير شعيرات أنفي من مسافة سنتيمتر واحد”.
وبعيدا عن طرافة حديثه عن “شعيرات الأنف”، يسلط نقد المدربين الضوء على شرخ عميق في طريقة تدبير المشاعر التي تسبق انطلاق المباريات. فلحظة عزف النشيد الوطني هي في نظر المدرب المرحلة الأخيرة من التحضير الذهني الجماعي، ولحظة التحام بصري يمكن لنظرة واحدة فيها أن تشحذ همة لاعب أو تهدئ من روع نجم متوتر.
يبدو أن “فيفا” بتحويلها المنطقة التقنية إلى استوديو تصوير يعج بخمسين عدسة من مسافة الصفر، تغلب كفة الإثارة البصرية على حساب تركيز اللاعبين ومدربيهم. وأمام تصاعد موجة الغضب في صفوف المدربين الوطنيين، قد تجد الهيئة الدولية نفسها مضطرة لمراجعة أوراقها ودفع الخط الفاصل لوسائل الإعلام إلى الوراء في المباريات المقبلة من البطولة.
مملكتنـــــــــــــــا.م.ش.س/و.م.ع
![]()








