الرباط – يدخل الذكاء الاصطناعي مجال التنبؤ بالأمراض الزراعية في المغرب من بوابة القمح، بعدما طور باحثون إطارا يجمع نماذج “الغابة العشوائية” مع خوارزميات تحسين مستوحاة من الطبيعة وبيانات مناخية حالية ومستقبلية، بهدف توقع الظروف الملائمة لظهور أربعة أمراض رئيسية تهدد المحصول.
ونشرت مجلة “Journal of Agriculture and Food Research” البحث مؤخرا، واختبر البياض الدقيقي والصدأ واللفحة والذبول الفيوزاريومي، بالتوازي مع سيناريوهات مناخية مستمدة من الجيل السادس لمشروع مقارنة النماذج المناخية العالمية “CMIP6”.
أربعة أمراض تختبر خمس طرق لتحسين التنبؤ
انطلق الباحثون من تقنية “Random Forest”، أو “الغابة العشوائية”، وهي من أدوات التعلم الآلي المستخدمة في التصنيف والتنبؤ، ثم دمجوها مع خمس خوارزميات للتحسين، من بينها الخوارزمية الجينية، وخوارزمية تحسين سرب الجسيمات، ومحسن الذئب الرمادي، والتطور التفاضلي.
ويسعى هذا الدمج إلى الوصول إلى النموذج الأكثر قدرة على التمييز بين الظروف الملائمة وغير الملائمة لظهور كل مرض.
وسجل نموذج RF-GWO أفضل أداء في توقع البياض الدقيقي، بقيمة AUC بلغت 0.946، فيما حقق نموذج RF-DE أفضل نتيجة بالنسبة إلى الصدأ بقيمة 0.897.
أما اللفحة والذبول الفيوزاريومي، فحقق نموذج RF-GA أفضل النتائج في توقعهما، بقيمتي 0.833 و0.836 على التوالي.
ولا تعبر قيم AUC عن “نسبة دقة” مباشرة، وإنما تقيس قدرة النموذج على التمييز بين الحالات المختلفة، وكلما اقتربت القيمة من الواحد كان أداء النموذج أفضل.
الحرارة والأمطار تعيدان رسم خريطة الخطر
لا تكتفي النماذج بإنتاج توقعات يصعب تفسيرها، إذ استعان الباحثون بأدوات الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير، وخصوصا تقنية SHAP، لفهم المتغيرات التي تدفع النموذج إلى اعتبار منطقة أو ظرف مناخي أكثر ملاءمة لظهور المرض.
وتبرز درجة الحرارة والتساقطات بين أهم العوامل المؤثرة في توقع مخاطر الأمراض الأربعة، ما يربط مباشرة بين مستقبل أمراض القمح والتحولات المناخية.
فأي تغير مستمر في درجات الحرارة أو توقيت الأمطار وكمياتها يمكن أن يغير التوزيع الجغرافي أو الموسمي للظروف المناسبة لمسببات هذه الأمراض.
واستعان الباحثون بتجميع نماذج CMIP6 لاختبار تطور المخاطر تحت سيناريوهات مناخية مستقبلية، عوض افتراض استمرار العلاقة التاريخية بين الطقس وانتشار الأمراض على حالها.
الإنذار المبكر يسبق العلاج بعد ظهور المرض
يمكن لمثل هذه النماذج، إذا ربطت مستقبلا ببيانات محطات الأرصاد والرصد الزراعي الميداني، أن تساعد في تحديد المناطق التي تحتاج إلى مراقبة أكثر كثافة أو تدخل مبكر قبل اتساع انتشار المرض.
وقد يحمل هذا الاستخدام أثرا اقتصاديا وبيئيا، لأن الرش الوقائي غير الموجه للمبيدات على مساحات واسعة يرفع الكلفة ويزيد الضغط البيئي، بينما يسمح الإنذار المبكر بتوجيه التدخل إلى المناطق والفترات التي يرتفع فيها مستوى الخطر.
ولا يعني ذلك أن النموذج يستطيع الجزم بظهور مرض معين في حقل محدد وفي تاريخ بعينه، إذ إن توافر الظروف المناخية الملائمة ليس العامل الوحيد، وتتدخل أيضا سلالة القمح ووجود العامل الممرض والإدارة الزراعية والرطوبة الموضعية ومواعيد الزرع وعوامل أخرى.
وتعتمد فعالية أي نظام إنذار عملي في النهاية على تحديث النماذج ببيانات ميدانية مغربية مستمرة، وربط التوقعات المناخية بما يجري فعليا داخل الحقول.
وتنقل هذه النتائج استخدام الذكاء الاصطناعي في الفلاحة من مجال المحاكاة إلى سؤال تطبيقي مباشر، يتعلق بقدرة منظومة الإرشاد الفلاحي على تحويل خرائط الخطر الرقمية إلى إنذارات تصل إلى الفلاح قبل وصول المرض إلى محصوله.
مملكتنا.م.ش.س








