الرباط – من مراكش بدأت الحكاية، ومن لقب “بنت الباشا” التصق اسمها بالذاكرة السياسية المغربية؛ غير أن فاطمة الزهراء المنصوري لم تكتفِ طويلا بالإرث الرمزي لاسم العائلة، وسرعان ما اختارت أن تبني لنفسها مسارا خاصا عبر القانون والمحاماة والانتخاب والتدبير المحلي، ثم البرلمان والحكومة، وصولا إلى قمة هرم حزب الأصالة والمعاصرة، لتصل اليوم إلى رئاسة “حكومة المونديال”، كما يسميها الكثيرون.
تنحدر من إقليم الرحامنة. والدها الباشا عبد الرحمن المنصوري، والسند العائلي، كان بالتأكيد حاضرا في مسارها، لكنها اختارت أن ترسم لاحقا طريقها الحصريّ الذي راكمت خلاله مواقع متعددة في التدبير المحلي والبرلماني والحزبي والحكومي، وجاءت المحطة التي وضعت اسمها في قلب تاريخ السياسة المغربية: تعيينها من قبل الملك محمد السادس رئيسة للحكومة، وتكليفها بتشكيلها.
من مراكش إلى السياسة
ولدت في 3 يناير 1976 بمراكش، وهي المدينة التي ستصبح لاحقا أبرز محطة في مسارها السياسي. درست القانون بجامعة “مونبلييه” الفرنسية، ومارست مهنة المحاماة قبل أن تدخل عالم السياسة من بوابة حزب الأصالة والمعاصرة، الذي التحقت به في بداياته، بعد مرحلة “حركة لكل الديمقراطيين” التي مهدت لتأسيس الحزب سنة 2008.
كان صعودها الأول من داخل المجال المحلي؛ ففي سنة 2009 انتُخبت رئيسة للمجلس الجماعي لمراكش، لتصبح أول امرأة تتولى عمودية المدينة الحمراء، وهي لحظة منحتها حضورا وطنيا مبكرا، ووضعتها في موقع اختبار حقيقي لقدرتها على تدبير مدينة بحجم مراكش وثقلها الاقتصادي والسياحي والسياسي.
وصولها إلى العمودية بدا أشبه ببداية سلسلة من المسؤوليات؛ فقد انتُخبت عضوا بمجلس النواب في 2011، ثم جددت حضورها البرلماني سنة 2016، قبل أن تعود إلى الواجهة المحلية مجددا بعد انتخابات 2021، حين أعيد انتخابها عمدة لمدينة النخيل.
“بنت الباشا” تركب “الجرار”
داخل حزب الأصالة والمعاصرة، كان المسار التنظيمي يسير بالتوازي مع المسار الانتخابي. فبعد سنوات من العمل داخل الحزب، انتقلت المنصوري إلى واحد من أهم مواقع صناعة القرار الداخلي، عندما انتُخبت سنة 2020 مجددا رئيسة للمجلس الوطني للحزب “برلمان البام” لولاية ثانية.
وانتُخب حينها، في فعاليات المؤتمر الوطني الرابع للهيئة السياسية ذات رمز الجرار، عبد اللطيف وهبي أمينا عاما للحزب، فيما جُدّدت الثقة في المنصوري رئيسة للمجلس سالف الذكر؛ الأمر الذي جعل “تيار المستقبل”، الذي خاض حربا ضروسا ضد تيار الأمين العام الأسبق حكيم بنشماش، يحكم سيطرته على مفاصل الحزب.
وللإشارة، فإن انتخابها الأول على رأس “برلمان البام” كان في المؤتمر الوطني الثالث للحزب سنة 2016، في مواجهة نائب رئيس مجلس النواب آنذاك عبد اللطيف وهبي الذي انسحب من سباق المنافسة، وكان ذلك محطة مفصلية في مسيرتها، حيث أصبحت واحدة من أبرز الوجوه النسائية داخل التنظيم السياسي.
من موقعها على رأس المجلس الوطني، حاولت المنصوري تقديم صورة عن حزب يتجه نحو المستقبل، داعية إلى “طي صفحة الماضي” والعمل بشكل موحد، وهي الرسالة التي عكست طبيعة الدور التوفيقي الذي كانت تؤديه داخل الحزب في تلك المرحلة.
من البرلمان الحزبي إلى الحكومة
لم تتوقف القفزة عند التنظيم الحزبي؛ ففي أكتوبر 2021، دخلت فاطمة الزهراء المنصوري حكومة عزيز أخنوش، حاملة حقيبة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، بالتزامن مع عودتها إلى رئاسة جماعة مراكش.
وهكذا، أصبحت المنصوري تجمع بين ثلاث مساحات للقرار: الحكومة في الرباط، والتدبير المحلي في مراكش، والعمل الحزبي داخل “البام”. وهي معادلة منحتها حضورا سياسيا يتجاوز صورة العمدة أو البرلمانية، لتتحول إلى واحدة من الوجوه المركزية في التجربة الحكومية التي تشكلت بعد انتخابات 2021.
إلى قيادة “الجرار”
في فبراير 2024، حدث التحول الأكبر في مسارها الحزبي؛ فبعد المؤتمر الوطني الخامس لحزب الأصالة والمعاصرة، انتقلت المنصوري من رئاسة المجلس الوطني إلى موقع قيادة جماعية ثلاثية للأمانة العامة، تضم فاطمة الزهراء المنصوري ومحمد المهدي بنسعيد وصلاح الدين أبو الغالي، مع تولي المنصوري مهمة تنسيق هذه القيادة.
سيغادر أبو الغالي لتلتحق بالقيادة الثلاثية فاطمة سعدي، رئيسة بلدية الحسيمة سابقا، لكن انتقال “ابنة الصالحين” من رئاسة “برلمان الحزب” إلى قيادة الجهاز التنفيذي للحزب كان لافتا. وقد قدمت المنصوري النموذج الجديد باعتباره محاولة لتدبير جماعي لا يقوم على شخصنة المشروع السياسي، مؤكدة أن القيادة الثلاثية ستشتغل وفق توزيع للمهام وتكامل في العمل.
ومنذ ذلك الوقت، أصبحت المنصوري الوجه الأبرز للقيادة الجماعية، خصوصا في المواقف السياسية الكبرى وفي التواصل مع الرأي العام.
اختبار القيادة
لم تكن قيادة “البام” في تلك المرحلة مهمة سهلة؛ فقد كان الحزب مشاركا في الحكومة، وفي الوقت نفسه يستعد لاستحقاق انتخابي جديد، بينما كانت القيادة الجماعية مطالبة بإثبات قدرتها على تدبير الحزب من دون أمين عام واحد، خصوصا أنها أول تجربة في المغرب ولقيت انتقادات وسخرية في البداية.
المنصوري نفسها قدمت التجربة باعتبارها انتقالا من منطق الزعيم الواحد إلى منطق العمل الجماعي، فيما ظل السؤال السياسي الأكبر هو قدرة الحزب على تحويل حضوره الحكومي والتنظيمي إلى قوة انتخابية قادرة على المنافسة على صدارة المشهد.
ومع اقتراب انتخابات 2026، بدأ خطاب الحزب يرفع سقف الطموح، وصولا إلى الحديث صراحة عن إمكانية قيادة الحكومة المقبلة.
نحو صدارة صناديق الاقتراع
جاءت انتخابات 23 شتنبر 2026 لتضع المنصوري والحزب الذي تقوده في قلب المشهد السياسي المغربي؛ فقد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج بـ97 مقعدا، متقدما على التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعدا والاستقلال بـ65 مقعدا، وفقا للنتائج النهائية المعلنة رسميا.
النتيجة أعادت طرح اسم فاطمة الزهراء المنصوري بقوة في النقاش حول رئاسة الحكومة، خصوصا أنها تقود الحزب انتخابيا بصفتها منسقة القيادة الجماعية، فضلا عن كونها وزيرة وعمدة سابقة وحالية لمراكش وبرلمانية سابقة.
لكن المنصوري نفسها اختارت، في أعقاب إعلان النتائج، أن تربط مسألة تحمل مسؤولية الحكومة المقبلة بالمسار الدستوري والسياسي الذي سيأتي بعد الانتخابات، وهو ما يجعل الحديث عن رئاسة الحكومة اختصاصا ملكيا حصريا لا هامش فيه للتكهن. غير أنها تقلدت رسميا اليوم الثلاثاء هذا المنصب، لتكون أول رئيسة للحكومة في تاريخ المغرب.
وفي نحو عقدين، انتقلت فاطمة الزهراء المنصوري من محامية شابة إلى عمدة لمراكش، ثم برلمانية، فرئيسة للمجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة، فوزيرة، ثم منسقة للقيادة الجماعية للحزب، ثم رئيسة للحكومة في إحدى أصعب فترات المغرب الراهن، وهي الولاية الانتدابية التي من المرشح أن يكون فيها المغرب أمام رهانات كبرى.
في كل محطة، كانت المرأة حاضرة بقوة في صورتها السياسية: أول امرأة تترأس جماعة مراكش، ثم واحدة من أبرز القيادات النسائية في حزب سياسي كبير، وصولا إلى موقع قيادة الائتلاف الحكومي الذي يضعها أمام دخول تاريخ الحكومة المغربية من باب غير مسبوق.







